تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وقد أورد المؤلف تعريفين للتعليم؛ الأول يرمي إلى تنبيه مواهب الفرد، والثاني إعداد الفرد للحياة الاجتماعية. والمقصود بمواهب الفرد القوى العقلية المختلفة كالذاكرة والابتكار والذكاء والملاحظة وما إلى ذلك.

2

ويقول ألبير مالو أستاذ التربية بجامعة السوربون: «الآراء متفقة في جميع الشعوب الحديثة على أن التعليم يجب أن يعد الفرد للحياة الاجتماعية أكثر مما هو حاصل الآن.»

3

والرأي عندنا أن التعليم إعداد للحياة الاجتماعية، ولا ننكر أنه يأخذ بيد الفرد في طريق التقدم، وبذلك يهيئه في نهاية الأمر للحياة الاجتماعية.

ولا نستطيع أن نفهم الخلاف في مناهج التعليم خلال العصور المتعاقبة، وفي الأمم المختلفة التي تعيش في عصر واحد، إلا نتيجة اختلاف البيئات جميعا.

فإذا قلبنا صفحات التاريخ وجدنا أن اليونان كانوا يعنون بتعليم الصبيان الرياضة البدنية بألوانها والموسيقى والأدب والقراءة والكتابة. وكانت عناية الإسبرطيين بالرياضة البدنية الشاقة شديدة، بينما اتجهت أنظار الأثينيين إلى الموسيقى والأدب. ومناهج التعليم في الدولة الرومانية كانت تشبه إلى حد كبير ما عند اليونان؛ لأن الدولة الرومانية ورثت حضارة اليونان وثقافتها. هذه المناهج كانت تلائم البيئة الاجتماعية في ذلك العصر. وهي مناهج تلائم الطبقة الأرستقراطية، وتتفق مع انقسام الدولتين إلى طبقات فيها الأشراف والعامة. أما العامة فكانوا بعيدين عن التعليم لا يلحقهم نوره، أما أبناء الأشراف فكانوا يهيئون لهذه الحياة الخاصة بما فيها من لهو وترف وزينة ومتاع. ولم تكن هناك مدارس بالمعنى الصحيح، بل كان الغالب اتصال الطفل بمعلم خاص.

وإلى عهد المسيحية الأولى كانت جميع المدارس لا دينية. وكان الأطفال يعلمون القراءة في كتب مملوءة بالميثولوجيا. لذلك كان من الخطر على أبناء المسيحيين أن يتأثروا بما في تلك الكتب من آراء تخالف الدين. واستمر الصراع بين المسيحية والوثنية شديدا، وتأثرت البرامج الدراسية بالنظام الروماني وبالكنيسة معا. فقد كانت المعرفة باللاتينية ضرورية لفهم الإنجيل في الترجمة المقبولة التي قام بها سانت جيروم. ثم أصبحت المعرفة باليونانية ضرورية أيضا.

4

ولما انتصرت المسيحية كان الأطفال يلحقون بالمدارس الكنسية، يتعلمون فيها القراءة والكتابة والموسيقى الكنسية وبعض الحساب.

5

فالخلاف في البرامج الدراسية عند المسيحيين عما كان عند الرومانيين ناشئ عن الخلاف في الحياة الاجتماعية؛ حيث اتخذ الدين مكان الوثنية.

ووظيفة المنهج تحقيق أغراض التعليم . وللمنهج وظائف ثلاث: (1)

إبراز القيم الاجتماعية في شعور الفرد. (2)

حفز المواهب الفردية إلى النمو. (3)

إعداد الفرد للحياة الاجتماعية.

6

وهذه الوظائف كلها ترمي إلى نتيجة واحدة هي إعداد الفرد للحياة الاجتماعية.

فإذا ألقينا نظرة سريعة على المنهج الذي وضعه القابسي لتعليم الصبيان، نجد أنه متأثر بالبيئة الاجتماعية للمسلمين في ذلك العصر، وأنه يهيئ الصبيان للحياة الاجتماعية المستقبلة، وذلك ببيان قيمة العلوم والواجب معرفتها إلى نظر الصبيان، وإبراز وجه أهميتها وضرورتها في عقولهم، ثم تنمية المواهب الفردية التي تلائم المطالب الاجتماعية.

والبيئة الاجتماعية في عصر القابسي كانت بيئة دينية خالصة. لذلك نجد المنهج الدراسي يدور حول محور الدين، ويهيئ الصبيان لهذه الحياة الدينية.

وينقسم المنهج الذي ذكره القابسي إلى قسمين: إجباري واختياري. فالعلوم الإجبارية هي: القرآن، والصلاة، والدعاء، وبعض النحو والعربية والقراءة والكتابة. والعلوم الاختيارية هي: الحساب، وجميع النحو والعربية، والشعر، وأيام العرب وأخبارها.

هذا المنهج المتبع في القرن الرابع الهجري هو الذي كان متبعا في القرن الثالث أيضا كما جاء في كتاب محمد بن سحنون. ولا حاجة بنا إلى بيان أن المنهج على هذا النحو هو الذي كان متبعا في الكتاتيب الإسلامية منذ نشأتها. وأنه ظل متبعا إلى عهد قريب جدا في الكتاتيب في شتى الأقطار الإسلامية. بل تستطيع أن تجزم إذا وجدت كتابا في أي قطر إسلامي أن ما يدرسه الصبيان في هذا الكتاب لا يختلف اليوم عما كان يدرس منذ ألف عام.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٦٥