تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستئذان آباء الصبيان في العقاب يحمل فائدة تهذيبية كبيرة. فهو دليل على التعاون بين البيت والمدرسة، وبين الوالد والمعلم؛ لأن كليهما يقول بتأديب الصبي، ويرمي إلى رياضته وتهذيبه. والمعلم - كما يقول القابسي - في منزلة الوالد. ولا يخفى أن سلطان الوالد على ولده أقوى وأشد من سلطان المعلم على الصبي؛ لأن الوالد هو الذي يقوم بالنفقة على ابنه، وهو الذي يتعهده بالتربية منذ الصغر حتى يبلغ السن التي يذهب فيها إلى الكتاب. وهو الذي يرعاه في الصباح الباكر قبل الانصراف إلى العلم، كما يرعاه مع الضحى حين أوبته من الكتاب. فالوالد يلازم ابنه ملازمة تجعل الابن يشعر بحاجته الدائمة في معاشه وفي منزلته الاجتماعية. لذلك كان سلطان الأب طبيعيا على ابنه، ويتبع ذلك خشية الابن من سطوة أبيه عليه، وخوفه من غضبه وعقابه. فالصبي يخاف أن يعلم والده بما يرتكب من ذنوب في الكتاب، ولذلك يحاول جهده تجنب ارتكاب هذه الذنوب.

ومما يدل على أن القابسي لا يرى بالعقوبة العلانية بأسا، أنه يرخص للمعلم أن يعهد إلى أحد الصبيان بالضرب إن أمن المعلم ألا يتجاوز الصبي في ضربه الحدود الموضوعة، وكان للمعلم عذر في تخلفه عن الضرب.

على أن القابسي نقل عن سحنون ووافقه في ذلك، أن الأصل هو قيام المعلم بنفسه بتوقيع العقوبة على الصبيان. ثم عاد القابسي فذكر عن سحنون إباحة تأديب الصبيان بعضهم بعضا.

ونحن نحبذ رأي القابسي الذي بدأ به، وهو قصر توقيع العقاب بواسطة المعلم وحده، والتنبيه على عدم إباحته للصبيان الذين: «تجري بينهم الحمية والمنازعة، فقد يتجاوز الصبي المطبق فيما يؤلم المضروب.» 56-ب.

ولا ندري لماذا عاد القابسي فأباح العقاب لأحد الصبيان بعد ذكر هذه الأسباب الوجيهة المانعة لولاية الصبي الضرب مما يخالف مبادئ التربية.

وعندنا أن هذه المسألة كانت تجري على عرف الناس في الكتاتيب، فأجازها سحنون كما أجازها القابسي مع التقييد والحيطة.

هذه خلاصة ما ذكره القابسي في العقاب، متمشيا مع روح الإسلام في مبادئه وأصوله، حيث يبدأ بالرفق وينتهي بالشدة، ويضع الأمور موضعها فيقرر العقوبة الملائمة للذنب، ويأخذ الصبيان بالشدة في رفق، وينصح بالحزم في غير قسوة، مع مراعاة الروح الإنساني وعاطفة الرحمة.

وغرضه من العقاب الإصلاح والزجر والوعظ لا التشفي والانتقام. وإننا لنرى روح العدل ممتزجة بالشفقة تطل من وراء هذه المبادئ التي قررها في التهذيب والتأديب.

الفصل الثامن

| المناهج وطرق التعليم

(1) المنهج صورة لأحوال المجتمع

إذا شئنا أن نعرف العلة التي من أجلها وضع القابسي منهج التعليم للصبيان في الكتاتيب أو أقره على النحو المذكور في رسالته، فينبغي أن ننظر إلى حالة المجتمع في ذلك العصر، لنرى مبلغ حاجاته ومطالبه. وعندئذ يتبين لنا السر الذي دفع المربين في الإسلام إلى تعليم الصبيان علوما معينة، منها يتألف ما نسميه المنهج الدراسي على الاصطلاح الحديث المعروف الآن.

وقد يكون المنهج واقعيا، وقد يكون مثاليا، في الحالين يستمد وجوده من المجتمع. فالمنهج الواقعي، وهو ما يدرس بالفعل، يستقي كيانه من المجتمع القائم، بينما المنهج المثالي، وهو ما يطالب به المفكرون والمصلحون يلائم صورة المجتمع المثالية التي يتخيلها هؤلاء المفكرون في مدنهم الفاضلة. ومنهج القابسي في التعليم واقعي كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فهو يصف ما كان متبعا فعلا في الكتاتيب الإسلامية في شمال أفريقيا. وهذا المنهج المتبع في عصره هو أثر البيئة الاجتماعية.

يقول بيتس: «على المجتمع يقع عبء تعليم الأجيال الجديدة، والمجتمع هو الذي يهيئ البيئة الصالحة لنمو الأفراد. وعلى الأفراد أن يحملوا عبء المسئولية فيستجيبوا لنداء التعليم بحسن التعلم.»

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٦٤