11
من هنا يتبين أن الضرب لمنفعة الصبي، وأن يكون فيه من الرفق ما يؤدي إلى التأديب ولا يتعداه إلى غير ذلك، فيتم الزجر المطلوب من العقاب وينتهي الأمر بعد ذلك إلى الصلاح. (6) العقوبة الواعظة
من أغراض العقوبة في الإسلام عظة الغير، وقيل في المثل السائر: «السعيد من اتعظ بغيره.» ومعنى ذلك أن الضرب الذي يوقع على الصبي، يكون عظة وعبرة لغيره من الصبيان، إلى جانب ما في عقوبة الضرب من زجر للصبي المضروب.
والإسلام يقرر هذا المبدأ في العقوبة حيث قال تعالى:
وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (النور: 2). والغرض من هذه المشاهدة مزدوج؛ هو التشهير بالمذنب من جهة، وضرب المثل للغير من جهة أخرى.
أما الأثر الذي يلحق المجرم حين يعذب أمام طائفة من الناس فهو الفضيحة بينهم. وسبق أن ذكرنا أن حب التسلط والسيطرة فطرة في الإنسان، ولا شك أن العقاب الذي يقع بالمرء في مواجهة غيره، يذهب بمنزلته ويسقط من قدره. والمرء يحب الاحتفاظ بسلطانه، وتأكيد احترامه.
أما المشاهدون لهذه العقوبة، فالتأثير فيهم لا يقل عن الأثر الذي يلحق بالمذنب. ذلك أن الألم ينتقل إلى الناس كالعدوى بدافع المشاركة الوجدانية أو التعاطف، وهو من النزعات الفطرية في الإنسان. ويلعب التصور والخيال دورا كبيرا في هذه المسألة. ذلك أن مشاهد العذاب يتصور في خياله ما ينزل به إذا كان هو الواقع تحت العذاب. فهو يتألم كما لو كان التأثير حقيقيا لا وهميا، وهو يخشى العقاب ويرهبه خشية المذنب، ورهبة المعاقب.
لم ينص القابسي على هذا النوع من العقوبة، وهي عقوبة الوعظ والعبرة، ولم يتكلم عن أثرها في الصبيان، ولكنه في الوقت نفسه لم ينصح بعقاب الصبيان كل واحد على حدة. على العكس من ذلك نجد أن في مناسبات كثيرة يحث المعلم على عقاب الصبيان جملة، ليتم تأديبهم جميعا. ذلك أن سلوك المعلم مع الصبيان في الكتاب يحمل روح التأديب. فالعبوس نوع من العقاب اليسير الذي تكلم عنه القابسي؛ والعبوس مظهر من مظاهر الغضب، وعنوان الأمر والشدة، وهذا المظهر يسبق عادة العزم على الضرب والاعتداء. ويتأثر الصبيان بهذا المظهر، فيتجنبون ما يغضب المعلم خشية ما يعقب العبوس من ضرب. لهذا يخضع الصبيان وينكمشون عند عبوس المعلم.
قال القابسي: «فكونه عبوسا أبدا، من الفظاظة الممقوتة ويستأنس بها الصبيان.» 54-ب.
فالمعلم يعبس لصبي واحد لأنه ارتكب جرما يستأهل هذا اللون من العقاب. ولكن باقي الصبيان يشهدون دون شك هذا المظهر ويتأثرون به عن طريق العظة والعبرة. والقابسي يخشى إذا أدام المعلم العبوس أن يستأنس الصبيان بهذا السلوك فلا يتأثرون منه. والأمر كذلك في جميع أنواع العقاب، فالمبالغة في التهديد أو العذل أو الضرب يعتادها الصبيان فلا تفيد الأثر المطلوب في التأديب.
ثم عقوبة التقريع بالكلام من العقوبات التي لا تؤثر أثرها إلا إذا وقعها المعلم على الصبي في مواجهة غيره من الصبيان. ذلك أن الغرض من التقريع إذلال الصبي، وإسقاط منزلته، واحتقار شأنه. ولا يذل الصبي إلا بالنسبة إلى غيره من الرفقاء، ولا تسقط منزلته إلا بالإضافة إلى غيره من الزملاء. واحتقار شأنه المقصود منه خفض منزلته عن مستوى أقرانه لا مستوى معلمه، حيث كانت سلطة المعلم وقدره فوق مرتقى الصبي بطبيعة الحال. وفي هذا التقريع عظة لجميع الصبيان الحاضرين في الكتاب المشاهدين لهذا التعريض، فهم يخشون أن يقع بهم مثل ما يقع بمن يوجه إليه التشهير.
إلى جانب ذلك نجد القابسي يلجأ إلى استشارة والد الصبي إذا استحق العقاب زيادة عن ثلاث ضربات. وإذا بلغ الأمر حد إخبار آباء الصبيان واستشارتهم، فإن المسألة لن يحوطها الكتمان، وإنما تخرج إلى العلانية فيعلم بها جميع الصبيان. وفي هذا عظة لهم لأنهم يخشون عقاب الآباء أكثر من خشيتهم عقاب المعلم.