ونذكر ما نص عليه أحد الفقهاء وهو شمس الدين الإنبابي في وصف الضرب لترى معي أن الصورة لم تتغير عند المتأخرين عما كانت عليه عند المتقدمين. قال في كيفية ضرب الصبي: «أن يكون مفرقا لا مجموعا في محل واحد. وأن يكون في غير وجه ومقتل، وأن يكون بين الضربتين زمن يخف به ألم الأولى. وأن يرفع الضارب ذراعه لينقل السوط لا عضده حتى يرى بياض إبطه، فلا يرفعه لئلا يعظم ألمه، ولا يضعه عليه وضعا لا يتألم به.»
ويجب في السوط أن يكون معتدل الحجم، فيكون بين القضيب والعصا؛ وأن يكون معتدل الرطوبة، فلا يكون رطبا يشق الجلد لثقله، ولا شديد اليبوسة فلا يؤلم لخفته. ولا يتعين لذلك نوع بل يجوز بسوط وهي سيور تلوى، وبعود، وخشبة، ونعل، وطرف ثوب بعد فتله حتى يشتد.»
ويميل الإنبابي إلى الشدة والزيادة على العشر ضربات، فقال: «ولا يجوز له أن يبلغ بالضرب أربعين في الحر وعشرين في غيره، بل يلزمه النقص عن ذلك. وأما خبر الصحيحين «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى.» فهو محمول على ما هو الأولى غالبا وإلا فقبح الذنب يقتضي الزيادة.»
8
والجديد في هذا الكلام هو في بعض التفاصيل، وأما مبدأ الضرب وعدد الضربات فهو ثابت منذ زمن القابسي بل وقبل زمنه.
ولا يرى ابن سينا - وهو من الفلاسفة - بالضرب بأسا، وفي ذلك يقول بصدد سياسة الرجل ولده: «فإن احتاج إلى الاستعانة باليد لم يحجم عنه. وليكن أول الضرب قليلا موجعا كما أشار به الحكماء بعد الإرهاب الشديد. فإن الضربة الأولى إذا كانت موجعة ساء ظن الصبي بما بعدها واشتد منها خوفه. وإذا كانت الأولى خفيفة غير مؤلمة حسن ظنه بالباقي فلم يحفل به.»
9
وهنا نسمع كلاما جديدا يختلف عما درجنا على سماعه من القابسي، الذي يرى على العكس التدرج بالضرب من الرفق إلى الشدة، على حين أن ابن سينا يريد أن يبدأ بالشدة ليقوى الأثر.
والعلة في الضرب التي لجأ إليها الفقهاء كما لجأ إليها الفلاسفة والحكماء، هي ما يصحب الضرب من ألم، وما يصحب ذلك من خوف الألم. وفي ذلك يقول الغزالي: «والأصلح للبهيمية أن لا تخلو عن سوط وكذا الصبي، ولكن ذلك لا يدل على أن المبالغة في الضرب محمودة.»
10
وبيان أثر الضرب في لغة علم النفس الحديث أن ضربة العصا تؤلم الصبي، فتؤدي إلى امتناعه عما يفعل حتى لا يقع عليه الضرب مرة ثانية. والإنسان بطبيعته مفطور على الإقبال على ما يسره والابتعاد عما يؤلمه. والذاكرة تلعب دورا مهما إذ يستعيد الصبي سبب أوجاعه، ويستحضر في ذاكرته الموقف الذي ضرب فيه، فيعمل على إبعاد كل ذلك، وبهذا يستقيم، وبهذا تؤثر التربية أثرها، ويتم التدريب المنشود في عالم الصبيان وفي عالم الحيوان كما هو معرف، وكما ذكر الغزالي. أما المبالغة في الضرب فغير محمودة لأنها تؤدي إلى البلادة، وانعدام الألم الذي به يتم الانصراف عن الأفعال القبيحة؛ ذلك أن الزيادة في الضرب لا تتناسب تناسبا رياضيا مع الزيادة في الألم كما هو معروف في علم النفس.
وحقيقة الأمر أن الضرب المبالغ فيه لا ينشأ إلا إذا خرج المعلم عن طوره، وأراد الانتقام والتشفي، وذلك في الأحوال التي يتملكه فيها الغضب. وقد نهى القابسي كما نهى غيره من الفقهاء أن يكون الضرب للانتقام. وعن القابسي أن الرسول عليه السلام قد نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان . فإذا كان الأمر كذلك بين القاضي والمذنبين في حالة الغضب فالأمر أوجب لابتعاد المعلم في حالة الغضب عن ضرب الصبيان، وهم الأحداث الصغار الذين لم يستكملوا العقل والحكمة والتجربة.
ونخص من الفقهاء محمد بن سحنون الذي استقى منه القابسي وذكر عنه ونقل منه. جاء في كتاب (آداب المعلمين) لمحمد بن سحنون: «وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: «أشرار أمتي معلمو صبيانهم أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين.» قال محمد (أي ابن سحنون) وإنما ذلك لأنه يضربهم إذا غضب، وليس على منافعهم؛ ولا بأس أن يضربهم على منافعهم، ولا يجاوز بالأدب ثلاثا، إلا أن يأذن الأب في أكثر من ذلك إذا آذى أحدا. ويؤدبهم على اللعب والبطالة، ولا يجاوز بالأدب عشرة.»