سئل القابسي هل يؤدب الرجل امرأته؟ فأجاب: إن أدبه إياها مأخوذ من كتاب الله، ثم أورد الآية:
واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن (النساء: 34).
ذلك أن القابسي فقيه قبل أن يكون مربيا. وهو يستمد مبادئ التربية من أصول الفقه، ومن معين الدين، ومن كلام الله الذي يقيس عليه المسائل المختلفة التي تعرض له.
فالزوج يؤدب الزوجة، والوالد يؤدب الولد، والمعلم يؤدب الصبي.
والزوج والوالد والمعلم مأمورون بالتأديب؛ لأن مصلحة الزوجة والولد والصبي في عنقهم، وهم القوامون عليهم.
والغرض من التأديب في الأحوال الثلاث واحد، وهو المصلحة. فالزوج يؤدب زوجته: «كأدب المعلم لصبيانه سالما من العطب والحمية؛ لأنه إنما يؤدبها لمصلحتها له ولنفسها.» 93-ب.
على أن القابسي وغيره من الفقهاء قرروا الضرب عقوبة، ثم أحاطوا هذه العقوبة بسياج من الشروط، حتى لا يخرج الضرب من الزجر والإصلاح إلى التشفي والانتقام.
ونلخص الشروط التي ذكرها القابسي فيما يلي: (1)
ألا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب. (2)
أن يوقع المعلم ضرب «بقدر الاستئهال الواجب في ذلك الجرم.» (3)
أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن القائم بأمر الصبي في الزيادة إلى عشر ضربات. (4)
أن يزاد على العشر ضربات إذا كان الصبي «يناهز الاحتلام، سيئ الرعية، غليظ الخلق، لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه.» (5)
أن يقوم المعلم بضرب الصبيان بنفسه، ولا يترك هذا الأمر لأحد من الصبيان «الذين تجري بينهم الحمية والمنازعة.» (6)
أن صفة الضرب ما يؤلم ولا يتعدى الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن المضر. (7)
أن مكان الضرب في الرجلين «فهو آمن وأحمل للألم في سلامة.» وليتجنب رأس الصبي أو وجهه، إذ قد يوهن الدماغ أو تطرف العين. (8)
أن آلة الضرب هي الدرة أو الفلقة، «وينبغي أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا.»
فهذه الشروط كلها تحيط الضرب بسياج من الأمن حتى لا يحدث للصبي ضرر، ولا يخرج الضرب عن معنى التأديب الموضوع له.
وفي هذه الشروط المقيدة للضرب مراعاة لمصلحة الصبي إلى أقصى الحدود، واقتصاد شديد في هذه العقوبة البدنية المرذولة. فالمعلم لا يلجأ إلى الضرب إلا بعد أن يستنفد جميع وسائل الوعظ والتنبيه والتهديد والتخويف. فإذا استحق الصبي الضرب بعد ذلك كله فلا بأس من الضرب. وإذا زاد على ثلاث ضربات فلا بد من استئذان ولي أمر الصبي.
هذه هي العدالة، ولكنها إلى الرفق أميل منها إلى الشدة.
ويلاحظ في هذه العقوبة التدرج من الرفق إلى الشدة. فقد أحيط الضرب بسياج من القيود تمنع أذى الصبي، ولا توقع به إلا الألم المقصود من التأديب.
هذا كله يبين لنا أن الضرب لم يكن يوقع على جميع الصبيان، وإنما على من يستحقه منهم. وهؤلاء هم الذين لا تجدي معهم وسائل التأديب الخلقية، وألوان الوعظ والإرشاد.
عقوبة الضرب التي ذكرناها عن القابسي لا تختلف في شيء عند غيره من المفكرين في الإسلام، لا قبل زمانه، ولا بعد عصره. فجميع المربين في الإسلام يقرون الضرب كما قرره القابسي، ويحيطونه بنفس القيود التي تخفف من وطأته . ولا غرابة في هذا فجميعهم - وهم المربون الفقهاء فقط - ينهلون من نبع واحد هو الحديث الوارد في ضرب الأولاد على الصلاة.
وقد أراد ابن خلدون أن يتحرر من مبدأ الضرب، فعاب الشدة على المتعلمين كما رأينا، ولكنه عاد في آخر الفصل الذي عقده فأجاز الضرب حيث نقل عن محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حكم المعلمين والمتعلمين: «لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا ... ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده الأمين ... وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباها فعليك بالشدة والغلظة.»