تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وميزان ذلك كله المجتمع الذي يعيش فيه الطفل، فإذا تسنى له أن يحقق مطمعه من الشوق إلى التسلط والسيطرة رضيت نفسه وامتلأت بالغبطة والسعادة، وإذا صدمته قوى غيره من الأطفال والكبار الذين يحتك بهم كوالديه ومعلميه، وفشل في تحقيق مطعمه هبط تحت مستوى المجتمع.

فهذان اتجاهان متقابلان أحدهما إلى فوق والآخر إلى تحت، والارتفاع فوق هامات المجتمع هو التسلط والسيطرة، والانخفاض تحت أقدام الناس هو الضعة والصغار. «وكثير من الأطفال يشبون وهم في خوف دائم من السخرية بهم.»

7

والعذل والتهديد والتقريع من العقوبات التي تؤدي إلى هبوط مركز الطفل، وهي تثير في نفسه الخوف من هذا الضياع، وتهيب به أن يتجنب ما يدعو إلى تحقيق إخافته وإيلامه. وهذه الوسيلة الأولى من وسائل العقاب تجمع بين الخوف والرجاء، وتنير أمام الصبي طريق الكرامة والاعتزاز والسلطان.

فهو إذا أحسن لقي الجزاء بالإحسان، وإذا أساء أدبه المعلم بالتعنيف والتشهير. ولا تقبل الطبائع البشرية أن تنزل درجتها في المجتمع وهي راضية، وعندئذ يجري الطفل وراء ما يحقق له شوقه إلى السلطان، وذلك بالامتناع عما يسيء، والابتعاد عما يضر، والإقبال على أداء ما هو مطلوب منه حتى إذا خالف هواه، فيتم تهذيب الطفل بأيسر الوسائل، وهذه هي أفضل الرياضات المؤدية إلى الإصلاح. (5) عقوبة الضرب

إذا لم تفلح العقوبة السابقة وهي الإخافة الأدبية والتهديد والعذل والنصح والتقريع، لجأ المعلم إلى نوع أعنف وأقوى من هذه العقوبات. هذه العقوبة الجديدة القوية ليست مصلحة فحسب، وإنما هي عقوبة رادعة زاجرة، لأنها تترك ألما مباشرا في نفس المذنب فيرتدع عن ارتكاب الذنب.

هذه العقوبة تكون عادة بدنية.

وفي الإسلام ألوان كثيرة من العقوبات البدنية تناسب شتى الجرائم، فجزاء القتل القتل، وجزاء السرقة قطع اليد، وحد شارب الخمر الجلد.

فمبدأ العقوبة البدنية مقرر بنص من القرآن. لهذا لا يتنازع الفقهاء في بحث هذا الأصل، وإنما يطبقونه بما يلائم الأحوال والظروف؛ فلا نستطيع أن نلغي القتل في القصاص، أو قطع اليد في السرقة، وإلا اعتبر هذا تهاونا بل خروجا في تنفيذ ما أمر به الشرع. وإذا كنا الآن في البيئات الإسلامية - ما عدا الأقطار الحجازية - لا نطبق عقوبة قطع اليد في السرقة؛ فذلك لأن الشريعة الإسلامية غير سارية، وحل محلها القانون الأهلي.

والحالة في عقاب الصبيان لا تصل بطبيعة الحال إلى حد القتل وقطع اليد؛ لأن الصبيان لا يزالون قاصرين غير مكلفين، والعقوبة التي توقع عليهم هي الضرب ضربا غير مبرح لمصلحتهم وسياستهم ورياضتهم.

وقد جاء الأمر بضربهم صريحا في المأثور عن النبي، وكما ذكر القابسي، أنه ينبغي أن يأمرهم بالصلاة إذا كانوا بني سبع، ويضربهم عليها إذا كانوا بني عشر.

هذا يدلنا على أن الطفل قبل سن عشر سنوات لا يجوز ضربه لصغر سنه وما يتبع ذلك من انعدام مسئوليته.

والأصل في ضرب الصبيان في الدين لحملهم على أداء فريضة هي ركن من أركان الإسلام وهي الصلاة؛ ليأنس إليها الصبيان ويتطبعوا بها وتنزل منهم منزلة العادة.

وإذا كان الفقهاء قد أجازوا الضرب في حالة ترك الصلاة، بل أمروا بالضرب، فقد أمروا بالضرب أيضا في جميع الحالات التي يحتاج الوالد أو المعلم إليها في تأديب الصبيان، وهي عدم حفظ القرآن، واللعب والأذى، والهرب من الكتاب، وما إلى ذلك من أنواع الذنوب الخلقية والمدرسية التي سبق أن ذكرناها تفصيلا.

ولم يكن الفقهاء في حاجة إلى التفكير؛ هل الضرب مشروع أو غير مشروع، وهل هذه العقوبة البدنية مما يصح أن يوقعها أولياء الأمور على من يستحقونها أم لا؟ ذلك أن الله في كتابه العزيز جعل الزوج يعاقب زوجته بعد الوعظ والهجر في المضاجع بالضرب. فالضرب مشروع بالنسبة للرجال والنساء بنص من الدين. وقد أجازه مالك كما رأينا بالنسبة للصبيان.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٦٠