تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن عناية القابسي اتجهت إلى التربية في الكتاب، لا إلى التربية عموما في الكتاب وفي خارج الكتاب. ولا ننسى أن الذين كانوا يزاولون الرياضة البدنية في العصور القديمة هم طبقة النبلاء الذين يصطفون لأبنائهم المؤدبين والمربين، ولهم من فراغ الوقت وسعة العيش ما ييسر لهم توجيه أبنائهم على ما يشتهون. على حين أن القابسي وصف طريقة تأديب أبناء الشعب، وأغلبهم من العامة الذين لا يستطيعون أن يتفرغوا لتربية أطفالهم بطريق الرياضة البدنية.

وسواء أكان الأطفال من أبناء النبلاء أم من أبناء الدهماء. فهل نأخذهم بالشدة أم باللين، وهل نعاقبهم بالتخويف أم ننصرف عن هذا الطريق؟

عقد ابن خلدون فصلا في الشدة على المتعلمين مضرة بهم جاء فيه: «إن من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ... فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده ألا يستبدوا عليهم في التأديب.»

5

وجاء في وصية سحنون الفقيه لمعلم ابنه: «لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، وليس هو ممن يؤدب بالضرب والتعنيف.»

فنحن نرى أن المربين في الإسلام كرهوا التشديد على الصبيان، ونصحوا بالرفق واللين.

وقد وقف القابسي بالسؤال الذي أجاب عنه ابن خلدون وسحنون، وأجاب عنه بمثل ما أجابوا فقال: «فقولك هل يستحب للمعلم التشديد على الصبيان أو ترى أن يرفق بهم ... فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجه ذلك من حسن رفقه بهم، ولا من رحمته إياهم، فإنما هو لهم عوض عن آبائهم.» 54-أ.

وقد فصلنا الكلام عن الرفق والعفو السابقين على العقاب فلا نعود إليه.

أما الطريقة العملية في سياسة الصبيان التي يصحبها الرفق، البعيدة عن الشدة، فهي الثناء على أفعالهم المحمودة، وذم أعمالهم المكروهة.

وجميع المربين في الإسلام يتبعون هذه القاعدة.

كتب شمس الدين الإنباني - وهو من المتأخرين - في سياسة الصبيان ما يأتي: «ثم مهما ظهر منه خلق جميل، وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح به بين الناس.

فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة، فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره؛ فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة.

فعند ذلك إن عاد ثانيا ينبغي أن يعاقبه سرا، ويعظم الأمر فيه، ويقول له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا فتفتضح بين الناس. ولا يكثر عليه الملامة في كل وقت فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح.

فإذا عاد، أدبه بما يليق من توبيخه.»

6

وهذا ما نصح به القابسي إذ لفت نظر المعلم إلى أن يغبط الصبي بإحسانه إذا أحسن في غير انبساط إليه، ولا منافرة له، ليعرف وجه الحسن من القبح، وإذا أخطأ الصبي أخبره بهذا الخطأ، ثم «يقبحه عنده، ويتواعده بشدة العقوبة عليه إن هو عاوده ليتدرج على مجانبة الخطأ.» 58-ب.

أما إذا نبه الصبي مرة بعد مرة، ولم ينتج التنبيه فائدة، فعلى المعلم أن يلجأ إلى العذل والتقريع بالكلام من غير شتم. والعذل والتقريع بالكلام من العقوبات التي ترمي إلى استغلال الخوف الأدبي ليحفظ المرء كرامته بين أفراد المجتمع.

والدافع إلى حفظ الكرامة دافع فطري، فطن إليه الأقدمون، فكتبوا عنه إجمالا كما رأينا، وفصله المحدثون تفصيلا طويلا، وكتب فيه زعيم من هؤلاء المحدثين هو عالم التحليل النفساني «أدلر» الذي يعتبر أن المحرك لأعمال الإنسان منذ أن يولد طفلا إلى أن يشب رجلا؛ أي خلال حياته كلها، هو النزعة إلى السيطرة والتطلع إلى السلطان، ويقابل ذلك، إذا فشل المرء في تحقيق ما يتطلع إليه، الشعور بالضعة والقلة والمذلة والصغار.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٥٩