تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخذ القابسي بهذه القاعدة فأمر المعلمين بالرفق مع الصبيان. وإذا كان العفو مع المذنبين من الكبار محبوبا، أغرى به الله وحث عليه، فهو مع الصبيان واجب لصغر سنهم، وطيش أعمالهم، وضيق عقولهم، وقلة مداركهم. وعلى المعلم أن يلجأ مع الصبيان الذين يرتكبون الذنوب إلى الرفق، كما جاء في وصيته للمعلم قائلا: «ومن حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقا.» 54-أ. ويعتمد القابسي في هذه النصيحة على المأثور من سيرة الرسول، وعلى الحديث: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.» 54-أ.

والأطفال: «تدخل في هذه الوصية المتقدمة.» 54-أ.

فنحن نرى أن القابسي ينزل الصبيان منزلة الكبار البالغين المكلفين يشملهم العفو والرفق، كما يجري عليهم الحساب والعقاب. على أن القابسي ينظر إلى الصبيان نظرة خاصة تلائم طفولتهم. واستعمال لفظ الرفق بدل العفو دليل الشعور بما بين الأطفال والبالغين من فروق. فالرفق عكس التشديد. والعفو في مقابل العقاب. وقد يجتمع الرفق والعقاب، ولا يجتمع العفو والعقاب.

والغرض من الرفق إلى جانب اتباع أمر الرسول في الحديث السابق، هو حسن السياسة، ونفع الرياضة.

والطفل لا يملك من أمره شيئا. ولهذا رفع التكليف عن الصغير دون البلوغ، كما رفع عن المجنون والمريض. والعلة في هذه ظاهرة، وهي نقص الإدراك والعقل الذي هو: «مادة يتأتى به درك العلوم، والدليل على ذلك قوله الله:

وما يذكر إلا أولوا الألباب (البقرة: 269)، و:

إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (النحل: 12).»

2

والقابسي ينزل المعلم من الصبيان منزلة الوالد، فهو المأخوذ بأدبهم القائم على زجرهم، وهو الذي يوجههم إلى ما فيه مصلحة أنفسهم. وهذا التوجيه يحتاج إلى سياسة ورياضة؛ حتى يصل المعلم بالطفل مع الزمن إلى معرفة طريق الخير، وهي طريق لا تدرك بالبديهة بل بالرياضة والتعليم.

وكلما أخطأ الصبي متنكبا الطريق السوي، راضه المعلم مبينا له السبيل التي ينبغي سلوكها، وأول سبل الرياضة الإفهام والتنبيه؛ لأن الطفل مهما يكن من شيء فهو عاقل يمتاز عن الحيوان بالنطق والإدراك، ومعرفة العلل والأسباب، ولو أن إدراكه لا يزال قاصرا لا يصل إلى حد الكمال.

هذه السياسة القائمة على الرفق في المعاملة، والعناية ببيان أسباب السلوك وإفهامه للصبيان، من شأنها أن تجعل الصبي يكبر على العمل الصالح من تلقاء نفسه، دون حاجة إلى عصا تسوقه، فتثمر الرياضة في نفسه ثمرة صالحة. ثم إن الشدة الدائمة، كأن يكون المعلم عبوسا أبدا: «من الفظاظة الممقوتة ويستأنس الصبيان بها فيجترئون عليه.» 54-ب.

فالقابسي يقصد من الرفق العدالة في العقاب، وعدم التشديد فيه، والابتعاد من المغالاة في الضرب أو أي وسيلة أخرى من وسائل الرياضة والتأديب؛ وعلة ذلك نفسانية؛ لأن معنى استئناس الصبيان هو الاعتياد الناشئ عن التكرار، ومن أثر العادة إماتة الشعور، وبذلك ينعدم التأثير المطلوب من العقاب، فضلا عن ذهاب سلطة المعلم وعدم هيبة الصبيان من سطوته عليهم.

ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا استأهل الطفل ذلك، وإنما ينبه الطفل مرة بعد مرة، فإذا لم يستمع لهذا التنبيه، ولم يأخذ بهذا التوجيه، لجأ المعلم إلى وسائل العقاب المنصوص عليها.

حرمان الأطفال الطعام والشراب عقوبة معروفة مشهورة؛ وهي عقوبة شديدة الأثر في نفس الطفل؛ لأن همه في الحياة تناول الطعام واللعب. ولا صبر له على الجوع حتى يشبع، فإذا شبع لعب، ولا زاجر له عن اللعب حتى يتحرك. وحرمان الطعام واللعب عقوبتان معيبتان، وحرمان الطعام أشد عيبا لأن في ذلك ضررا بصحة الطفل، وكبتا لأقوى غريزة وأولها عند الإنسان، فينشأ الطفل على الشره في مستقبل حياته، وقد تمتد يده إلى السرقة لإشباع حاجة نفسه مما يحرمه عليه أهله والقائمون بأمر تعليمه من ألوان الطعام.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٥٦