لهذا نص القابسي على أن من الرفق بالصبيان الإذن لهم بالانصراف إلى تناول الغداء، وعدم منعهم من الطعام والشراب. ذلك أن العادة كانت جارية في ذلك الزمان أن ينصرف الصبيان مع الظهر إلى دورهم لتناول الغداء ثم يعودون بعد ذلك إلى الكتاب. (3) النهي عن عقوبة الانتقام
العقوبة على أربعة مذاهب حسب الغاية منها، فهي انتقامية أو رادعة أو واعظة أو مصلحة.
وأول أنواع العقوبات ما كان الغرض منه الانتقام من صاحب الذنب. والانتقام فطري في الإنسان؛ لأنه يتصل بغريزة الغضب. والمعروف أن الإنسان إذا اعتدي عليه غضب وثار وحاول أن يرد الاعتداء. وفي سورة الغضب يحطم الإنسان كل شيء، ويعتدي على كل شيء؛ لأن المحرك له قوة الكفاح والمقاتلة، لا ميزان الحكمة وتقدير العقل والمصلحة. والمتوحشون على هذه الصورة الأولية من الاندفاع وراء الانتقام، وشفاء غليل النفس مما تشعر به من الثورة.
وقد أخذت الحضارة بيد الإنسان في طريق الخير، وهذبت ميوله الفطرية وغرائزه الحيوانية، ناظرة في ذلك إلى نفع المجتمع بأسره. هذا التهذيب يقتضي ضبط النفس عند ظهور النوازع الفطرية، ليرى صاحبها: أمن المصلحة أن يستجيب لنداء هذه الدوافع أم يكفها وينهاها؟ على أي الحالات ينبغي أن يسيطر الإنسان على نفسه فيوجه أمره على ضوء العقل، فلا يخضع لكل دافع، أو ينساق وراء كل نازع.
وكثيرا ما يفقد الإنسان الحكمة والبصيرة، ويعود إلى الطور الحيواني من الاندفاع الأعمى، ويكون ذلك في أحوال الغضب الشديد، وما يصحبه من غيظ وكمد.
ولكن المرء لا يكمل معاني الإنسانية الذاهبة نحو السمو، إلا إذا استطاع ضبط النفس، وحبس الغيظ. وفي القرآن إشارة إلى هذه الفضيلة الواجبة حيث قال تعالى:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (آل عمران: 134).
وإذا كان كظم الغيظ والعفو عن الناس مرغوبا فيه مع الكبار، فهو أوجب مع الصبيان الذين يقعون من المعلم موقع الولد من الوالد. وهم إلى ذلك في مجال التهذيب والتأديب لا في مجال التشفي والانتقام.
لهذا كله نهى القابسي المعلم أن يضرب الصبيان وهو في ساعة الغضب، حتى لا يكون «ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه، وهذا ليس من العدل.» 55-ب.
القصة التي ذكرها القابسي عن عمر بن عبد العزيز الذي أمر بضرب إنسان، ثم قال اتركوه بعد أن أقيم للضرب؛ لأنه كره أن يضربه وهو غضبان، في هذه القصة دليل آخر على أن العقوبة في الإسلام لا ينبغي أن تكون انتقامية.
والتربية وعلم النفس الحديثان لا يقرران جديدا يختلف عما قرره القابسي، وما هو ثابت عند فقهاء المسلمين. وقد جاء وصف آثار الغضب النفسية والجسمية، وما يؤدي إليه من شهوة الانتقام في كثير من الكتب الفقهية. ونثبت ما ذكره الغزالي في ذلك، فهو يفصله تفصيلا لا يحتاج بعده إلى جديد.
قال بعد كلام يصف ما يصيب ملامح الوجه وحالة الجسم في ساعة الغضب «فيحمر الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها. وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه. فإن صدر الغضب على من فوقه كان معه يأس من الانتقام ... وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب، ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام. وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة، وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به.»
3
ثم قال عن أثر الغضب الخارجي: «وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحيي منه ذو العقل، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب ... وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة ...»
4
هذه المشاهدات النفسية الصحيحة لآثار الغضب التي تلحق بالإنسان، سبق إلى ملاحظتها القابسي فأثبتها في صدد غضب المعلم، وما يصدر عنه من كلام بذيء في حق الصبيان وشتمهم وسب أعراضهم. كل ذلك لأنه: «إنما تجري الألفاظ القبيحة من لسان التقي إذا تمكن الغضب من نفسه، وليس هذا مكان الغضب.» 54-أ.