تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال تعالى:

ولكم في القصاص حياة (البقرة: 179) وهذه هي بلاغة الإيجاز، والغاية في الإعجاز. ولا غرو فقد جمعت الآية بين الموت والحياة، وأخرجت الحي من الميت. وليس هذا بغريب عن عالم الطبيعة كما هو مشاهد ومعروف، فلا غرابة أن تكون حياة المجتمع وقفا على موت بعض الأفراد، والتضحية بعناصر الفساد؛ وليس وراء القتل وإهدار الحياة عقاب، جزاء وفاقا لمن يستحق العقاب.

فالإسلام يشرع مبدأ العقاب، ويبسط ألوان العقوبات المختلفة باختلاف الجرائم. فجزاء القتل القتل، وجزاء السرقة قطع اليد، وحد شارب الخمر الجلد. وهكذا نجد لكل جريمة عقابا مقررا ينبغي تنفيذه دون شفقة، كما قال تعالى في الزانية والزاني:

الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله (النور: 2).

وقد جاء الإسلام في عالم سادت فيه المسيحية. والديانة المسيحية تذهب في التسامح أبعد الحدود، والمسيح عليه السلام هو القائل لتلاميذه يعلمهم: «سمعتم أنه عين بعين، وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا.»

1

فنحن نرى إذن إقرار العقوبة ليس من الأمور المتفق عليها عقلا أو شرعا؛ لأن التقابل بين العقاب والتسامح هو تقابل الأضداد، بينهما غاية البعاد.

وأنصار التسامح لهم وجهة نظرهم، وعندهم كثير من الحجج على صحة مبدئهم. وليس مجالنا أن نبسط آرائهم، ولكننا نقول إنهم يبغون من وراء ذلك الخير الأسمى. والقائلون بالعقاب يرمون إلى غاية بعيدة هي الخير أيضا. وعندئذ يلتقي أصحاب التسامح وأنصار العقاب عند الغاية، وإن بعدت الوسيلتان، فقصدهما هو الخير لبني الإنسان.

ونعود إلى القول إن مبدأ العقاب كما يقرره الإسلام ينطبق على جميع الأفراد، والصبيان، يدخلون تحت راية هذا المبدأ فتشملهم العقوبة كما تشمل غيرهم من الناس.

والقابسي يفرض العقوبة على الصبيان، ويبين حدودها، ويفصل مراتبها كما هو مقرر في الإسلام، مما هو ثابت في كلام الله، وأحاديث الرسول. (2) الرفق بالصبيان

ومع أن الإسلام شرع العقاب، فقد نصح الله العباد بالعفو عند المقدرة. وفي القرآن عدة ألفاظ تعتبر من قبيل المترادفات للعفو: كالصفح والرحمة والمغفرة.

والصبر مطية العفو.

والعفو والصفح والمغفرة تختلف عن التسامح المسيحي؛ ذلك أن التسامح لا يرد أذى بأذى، بل هو قبول الأذى، والتجاوز عنه، والصبر عليه. أما العفو فهو اعتراف بوجود الأذى، ووجوب رده، ثم التفضل بالصفح. وفي ذلك يقول الله:

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (النحل: 126). وهو القائل:

وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (الشورى: 40).

فالعدالة في الإسلام تقتضي رد الأذى، وعقاب الجريمة. والعفو عنها إنما هو قدر زائد على العدالة.

ثم ينصح الله عباده بالمغفرة والصفح لعلة سامية. فالله الذي خلق الإنسان أعرف بطبيعته، وهو أعلم بدوافع الفطرة التي تحمل على الهوى وتزين الشر، وفي هذا قال تعالى:

إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (التغابن: 14).

فالعلة في ارتكاب الشر هي الاستماع إلى أهواء النفس، وهي أهواء فطرية يعبر عنها علماء النفس المحدثون بالغرائز. لهذا صحت نسبة الشر إلى الإنسان، لأن غرائزه تحمله على سوء الهوى، فهو مضطر إلى ذلك اضطرارا. ولهذا السبب أفاض الله الرحمة والغفران،

وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (الشورى: 30).

والعفو وسيلة إلى غاية عليا هي اجتذاب القلوب، وولاء النفوس، والألفة بين الناس، وكل أولئك داعية إلى الاجتماع والعمران والصلاح. لقد أوذي النبي في دعواه أذى شديدا، وهو اعتداء يقتضي الحزم في رده، ولكن الله أمر نبيه بالرحمة والصبر، ودرء السيئة بالحسنة، والدعوة بالتي هي أحسن فإذا الذين بينهم وبينه عداوة كأنهم أولياء. ولو كان النبي فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله. على أن للصبر نهاية، وللعفو أمدا وغاية. وإن الله ليملي للظالم حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر. فالعفو أسبق من العقاب، والصبر مقدمة الحساب.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٥٥