تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وترجع هذه المشكلة إلى أن الرغبة الجنسية إذا ظهرت في أكمل صورها عند الاحتلام، فلا بد لهذه القوة الغريزية من الانسياب. ولكن الدين يقف عقبة في سبيل تحقيقها، وكذلك المجتمع. فإذا استمع الشاب لوازع الدين، وأوامر التقاليد، تراجعت الغريزة في نفسه، وانحبست هذه القوة، مما قد يؤدي إلى انفجارها بعد زمن. والغالب أن دافع الغريزة يكون أقوى من رادع الدين ووازع الضمير، فيحقق نداء الطبيعة، ويلبي صوت الغريزة ويحمله تيار الفطرة الجارف إلى هذه الألوان من الفساد الجنسي.

والحل الطبيعي الذي يتفق مع أوامر الدين ونواهيه، واصطلاح العرف والتقاليد الحسنة هو الزواج؛ وهو الحل الوحيد. وفي ذلك يقول القرآن:

وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله (النور: 33).

ولكن زواج طفل حديث البلوغ لا يتيسر لأسباب صحية واقتصادية واجتماعية.

وعندئذ تظل المشكلة قائمة، وكل علاج يوصف لها ليس إلا من قبيل الملطفات الوقتية، وما يدرينا ما يجري في الخفاء بين هؤلاء الصبيان، أو بين الصبي ونفسه. ولم يكن للقابسي من حيلة إلا أنه نصح المعلم باتخاذ الحذر والاحتراس، ليكون يقظا لما عساه يحدث بينهم.

ولو أن القابسي أطال الكلام في هذا الموضوع، لحدثنا عن أثر الفضيلة التي اكتسبها الصبي بالتلقين والعادة في صراع الرذيلة.

فالطفل الذي يحفظ القرآن إنما يحفظ آيات الخير؛ لأنه كتاب لا ريب فيه هدى للمتقين.

والطفل الذي يؤدي الصلاة، إنما يذكر الله ويعبده، ويتقرب إليه، ويقف بين يديه ويستعين به على صراع الشر.

الفصل السابع

| العقاب

(1) العقوبة مشروعة في الإسلام

لا يفصل القابسي في العقاب بين الطفل والبالغ، أو بين الصبي والمعلم، أو بين الرجل والمرأة. كلهم أفراد من البشر وإن اختلفت صفاتهم وتباينت أعمارهم. فالصبي في الكتاب يوقع عليه العقاب إذا استحق العقاب، ويعاقب المعلم إذا أهمل في أداء عمله. والولد العاق يستأهل التأديب من والده، وللزوج على زوجته حق التأديب الذي يصل إلى حد الضرب.

فهؤلاء جميعا قد ضمهم العقاب، وجمعتهم الذنوب التي تصدر عنهم.

والإنسان في شتى مراحل حياته طفلا ويافعا، ورجلا وكهلا، وذكرا وأنثى، عرضة لارتكاب الشر، والوقوع في الإثم، والانزلاق في الخطأ والذنب.

إنما الكمال لله وحده، فهو الموجود الواحد الكامل. والخلائق بعد ذلك تندرج في مراتب تنحدر من الكمال إلى النقص، ومن الخير إلى الشر، ومن الطهر والتقوى إلى الدنس والفجور. والنبي عند المسلمين في أعلى مراتب البشر وأقرب الدرجات إلى صفات الكمال، فهو كما وصفه الله في كتابه:

وإنك لعلى خلق عظيم (القلم: 4). ولا مطمع لإنسان أن يرتقي إلى درجة الألوهية والكمال إلا إذا فقد الصفات البشرية وما فيها من نقص الخلال، والطبيعة البشرية تحمل في ثناياها بذور النقص والهوى وسوء الخصال.

والحياة صراع بين الخير والشر.

وكل جماعة من الناس تتصور الخير على نحو من الأنحاء، وتريد أن تنشئ عليه الناشئة، وتطبع عليه أجيال المستقبل.

والجماعة الإسلامية كغيرها من المجتمعات التي نشأت وازدهرت، وكغيرها من المجتمعات التي لا تزال تعمر الأرض، لها مثلها العليا وعندها تعاليم الخير. وقرآن المسلمين تنزيل من رب العالمين، ليكون هدى للمتقين، فصلت فيه آيات تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر، وفيه تفصيل طويل لكثير من أحكام السلوك، وبيان للناس عن أحوال المعاملات الواجبة فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين غيرهم. وفي الفصل السابق تفصيل للمبادئ الخلقية الداعية إلى الفضيلة عند المسلمين، وعلى الناس أن يأخذوا بهذه الأحكام لخير أنفسهم وخير المجتمع.

فإذا أصر المخالفون على اتباع غير طريق المؤمنين الصالحين، واستمروا في عنادهم، وآثروا الاستماع إلى هوى نفوسهم، متنكبين السبيل التي أمر الله باتباعها، فلا بد من إنزال العقاب، ومحاسبة مثل هؤلاء القوم أشد الحساب، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويرعووا عن غيهم.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٥٤