11
أما أهل السنة فقد كفوا أنفسهم مئونة هذا التحايل على التوفيق، وقالوا إن الناس مطالبون بالأمر لا بالقدر.
فالقابسي يثبت القدرة الإلهية، كما يثبت الإرادة الإنسانية، ويضيف إلى الإنسان الاختيار وبذلك يكون مسئولا عن أعماله، محاسبا عن أفعاله.
والباعث إلى تحريك الإرادة نحو جهة معينة باعث ديني.
فإن قلت كيف يكون الباعث دينيا، والبواعث تصدر من باطن الإنسان وهي التي تحركه؟
قلنا: إن هذه المسألة ينطبق عليها ما ذكرنا في الضمير. فكما توحد الضميران الخلقي والديني، كذلك تتوحد البواعث الإنسانية والدينية؛ ونقصد بالبواعث تلك الأوامر والنواهي التي وردت في القرآن، وطلب إلى الناس فعلها. فالزواج باعث إنساني لا شك في ذلك؛ لأنه يرجع إلى الغريزة الجنسية. وهو باعث ديني أيضا لأن الله أمر بالزواج. والباعث إلى الامتناع عن الربا يكون باعثا اجتماعيا ودينيا، فهو اجتماعي لما فيه من أضرار تحل بالمجتمع، وهو ديني لأن الله نهى عنه.
والقابسي يرى أن البواعث يجب أن تكون دينية، أي أن يتبع المرء ما جاء عن الله والرسول .
فإذا كان الأمر كذلك، فالتعليم واجب لأنه يبصر المسلمين بأسباب الدوافع المحركة للإرادة على اختيار الأفعال. ولا بد أن ينتهي الأمر بالمرء إذا استغرق في الحياة الدينية، أن يتصور منازعه صادرة عن الدين، وأن يوزع أعماله بين الحلال والحرام.
فإذا بدأ الصبي الصغير في حفظ القرآن ومعرفة تعاليم الدين، اختلطت هذه التعاليم بشخصيته كلما نما وبلغ مبلغ الرجولة، فتتحد البواعث الدينية في نفسه مع الزمن مع البواعث الشخصية.
فمرجع البواعث إلى الدين، وإلى القرآن.
والقرآن كما ذكرنا يخاطب العقل والوجدان؛ لأن الطبيعة الإنسانية فيها التفكير والتدبير، وفيها المحبة والكراهية؛ ويعمل الإنسان بدافع من الرأي والنظر كما يتحرك بقوة الخوف والغضب.
ومذهب العقليين في الأخلاق - والفلسفة القديمة أغلبها على هذا المذهب - تهمل جانب الوجدان. وأصحاب هذه المذاهب يغلبون الحكمة والعقل على أهواء النفس، ويرون في العقل أساس اختيار الفضائل.
وسقراط وأفلاطون وأرسطو والرواقيون، وديكارت وليبنتز وكانط، وغيرهم كثيرون على هذا المذهب العقلي.
وعند المسيحيين أن الباعث الأساسي إلى أفعال الخير هو الشعور بالمحبة. ويميل أغلب المحدثين - على الأخص علماء النفس - إلى اعتبار الوجدان أساس الإرادة، ويعتبرون العاطفة أساس الاختيار الإرادي، وليس العقل.
وقد مالت طائفة من المسلمين وهم المعتزلة إلى ناحية العقليين، ومالت طائفة أخرى إلى جانب الوجدانيين وهم المتصوفة. قال الجنيد: «المحبة ميل القلوب، معناه أن يميل قلبه إلى الله، وإلى ما لله في غير تكلف.»
12
وبعض المفسرين يفسرون الآية الآتية من سورة الإنسان:
ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (الإنسان: 8)، أي محبة الله.
ولكن أهل السنة يأخذون بالجانبين جميعا، بالبواعث العقلية والوجدانية.
مثال ذلك ما جاء عن تعليم اليتيم الذي ليس له مال، فإن المعلم قد يعلمه احتسابا لله عز وجل، فهذا باعث وجداني يرجع إلى العاطفة الدينية.
وجاء في تعليم الأنثى أنها: «تعلم ما يرجى لها صلاحه، ويؤمن عليها من فتنته.» فالباعث إلى تعليمها عقلي؛ لأن القابسي ينظر في مصلحتها، ولو أنه يقصد بالمصلحة المصلحة الدينية بطبيعة الحال.
ولا نريد استقصاء جميع الأمثلة التعليمية الواردة في كتاب القابسي، فكلها على هذا النمط من الجمع في البواعث بين العقل والوجدان. (5) الغاية الخلقية
يختلف المفكرون اختلافا كبيرا في تحديد الغاية من الأفعال الخلقية. وعندنا أن مرجع الخلاف هو إلى تباين الطبائع البشرية في المزاج والتفكير والإدراك والسلوك والشخصية.
جعل القورينائيون في الفلسفة القديمة اللذة الحسية غاية الأعمال الخلقية. وأنصار هذا المذهب قليلون؛ لأن الأخذ باللذات الحسية يؤدي إلى آلام كثيرة، كما يتعارض مع تقدم الإنسانية، إلى جانب وجود لذات أشرف من اللذات الحسية.