وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (البينة: 5)» 15-أ.
ذلك أن العبادة ليست عبثا في الدين، فالصلاة وهي الركن الركين في الإسلام عبادة الغرض منها معرفة الله، وذكره في كل وقت، ودوام الذكر هو السبيل إلى يقظة الضمير. لهذا السبب نص الفقهاء على وجوب انصراف المرء في الصلاة إلى ذكر الله مع عدم الاشتغال بأي أمر من أمور الدنيا. والصلاة المفروضة على المسلمين يؤدونها في خمسة أوقات متفرقة من كل يوم لدوام الذكر. وقد طلب إلى المسلمين أن يأمروا أولادهم بتأديتها وهم بنو سبع ليسكنوا إليها ويألفوها ويتطبعوا بها، حتى إذا تأصلت فيهم هذه العبادة، انطبعت شخصيتهم بها، فأصبح المحور الذي تدور حوله الشخصية، ومنه تستمد حياتها وكيانها، هو المحور الديني.
قد تزيد هذه الشخصية الدينية قوة مع قوة الشعور بوجود الله ومعرفته والإقرار برقابته، بشرط أداء العبادة أداء صحيحا.
وقد تضعف هذه الشخصية إذا كان صاحبها يردد العبادات ترديدا آليا ينعدم معه الشعور بوجود الله، فتنعدم الرقابة الدينية، ولكنها لا تمحى تماما. (4) البواعث الخلقية
هل الباعث على الأعمال الخلقية هو العقل أم الوجدان؟
قبل أن نبحث حقيقة هذه البواعث الخلقية عند القابسي، لا بد أن نرى رأيه في حرية الإرادة. ذلك أن الباعث إن لم ينطلق عن اختيار فلا سبيل إلى الحكم الأخلاقي، ولا موضع للمسئولية أو التكليف.
ومشكلة حرية الإرادة من المشاكل الدقيقة التي جرى البحث فيها في شتى العصور. ولم يصل المسلمون حتى الآن إلى حل سليم يتبعونه فيها، مع ما لهذه المشكلة من آثار اجتماعية بعيدة الشأن في حياة المسلمين.
والأصل في هذه المشكلة يرجع إلى التوفيق بين حرية الإنسان والإرادة الإلهية؛ ولا بد من حل هذه المشكلة الدقيقة الشائكة ليستقيم أمر الأخلاق. فقد يستسلم الناس إلى أمر الله استسلاما أعمى فيركنون إلى التواكل، ويلجئون إلى التكاسل. ويذهب بعض الناس إلى حد ارتكاب المعاصي قائلين إن كل شيء بأمر الله، أو هذا ما كتبه الله على العباد.
قال ابن الجوزي: «وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة، منها أنهم قالوا: لا بد أن يصل إلينا رزقنا؛ وهذا في غاية القبح. فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال: لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي، فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة، أو من أهل النار، فأنا من أهل النار، قلنا له: هذا يرد الأوامر كلها. ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر.»
9 «قالت المجبرة: لا قدرة للآدمي، بل هو كالجماد مسلوب الاختيار والفعل.»
10
وينتقد أهل السنة الذين يثبتون الحرية والإرادة للإنسان، بأن في خلق العباد لأفعال أنفسهم سلبا للقدرة الإلهية. وفي ذلك يقول صاحب الإنصاف في تعليقه على تفسير الكشاف: «ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة الله في مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم ما شاءوا من الأفعال على خلاف مشيئة ربهم، محادة ومعاندة لله في ملكه، ثم يتسترون بعد ذلك بتسمية أنفسهم: أهل العدل والتوحيد والله أعلم بمن اتقى. ولجبر خير من إشراك؛ إن كان أهل السنة مجبرة فأنا أول المجبرين.»
ولم يذكر القابسي حلا صريحا لهذه المشكلة؛ لأن كتابه لم يتعرض لبحث المسائل الكلامية. وأهل السنة على وجه العموم لا يخوضون في بحث هذه المسائل الشائكة التي تدعو في نظرهم إلى الانزلاق نحو الكفر، وإنما يقبلون ما فيها من تعارض بإيمان العقيدة، لا بيقين العقل، كما كان يفعل السلف.
وقد أراد الأشاعرة أن يحلوا هذه المشكلة فما زادوها إلا تعقيدا؛ ورأيهم في الكسب دقيق، ولذلك يضرب به المثل، فيقال: هذا أدق من كسب الأشعري.
والرأي عندهم: «أن الأفعال مخلوقة لله مكتسبة للعبد، فجمعوا بين الأمرين وقالوا: إن الأفعال واقعة بقدرة الله وكسب العبد. فالله تعالى يخلق الفعل والقدرة عليه بإجراء العادة. ولهذا جاز إضافة الفعل إلى العبد وصح التكليف والمدح والذم والوعد. فإنا لو لم نقل بالكسب، لزم أحد الأمرين إما الميل إلى الاعتزال، وإما القول بالجبر، وكلاهما باطل.»