تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومذهب السعادة أدنى إلى القبول؛ وسقراط وأفلاطون وأرسطو على هذا المذهب. وفي السعادة راحة النفس والضمير، وسرور الفرد وغبطة المجتمع. وإذا كانت السعادة أشرف من اللذة الحسية لأنها فضيلة الحكمة واختيار الوسط العدل بين الإفراط والتفريط، ففي الإمكان التوفيق بين الارتياح الذي يشعر به الفرد وبين السعادة العامة. بينما يصعب التوفيق بين اللذة الشخصية وبين اللذة العامة التي يحس بها الناس جميعا؛ لأن تحقيق اللذة عند الغير يكون على حساب الفرد، بينما الاشتراك في إسعاد الآخرين لا يتنافى مع سعادة المجتمع.

وهناك مذاهب أخرى تنشد غايات خارجية موضوعية، منها الكمال؛ فالذي يفعل الخير إنما يريد أن يصل إلى الكمال.

والذين يقولون بالتطور يرون أن تاريخ الإنسانية صراع دائم نحو التقدم والرقي، وأن وجود هذه الغاية الأخلاقية، هو الذي يجتذب الإنسان مع الخير إلى التقدم دوما.

ويعترضون على المذهبين السابقين بأن الصفات الخلقية هي نفسها الكمال أو التطور، وهاتان الغايتان خاضعتان لغاية أخرى.

قالوا: إن الطبيعة هي الغاية الخلقية. فالحياة الموافقة للطبيعة هي الحياة الخيرة التي تجلب اللذة والسعادة، وروسو في المذاهب الحديثة عنوان على هذه الفلسفة الطبيعية.

وهناك مذهب المنفعة الذي راج في الفلسفة الإنجليزية رواجا كبيرا. والمنفعة العامة إذا كانت رائد الأعمال الخلقية، والغاية منها، حققت الخير لأكبر عدد من الناس.

وقد تجنب بعض الفلاسفة الاعتراضات على المذاهب السابقة فقالوا بأن الخير واجب لذاته، يفعله المرء لأنه واجب. فالواجب الخلقي هو الغاية، لا الكمال أو التطور أو الطبيعة أو المنفعة. وكانط من أنصار مذهب الواجب في الأخلاق.

ومذهب أهل السنة لا يرى رأي هؤلاء جميعا؛ لأنه خرج بالغايات الخلقية من ميدان الدنيا إلى ميدان الآخرة.

وبذلك يلتقي الناس جميعا في غاية واحدة، تتسع لهم جميعا، ولا يقع عليها خلاف، هي التمتع بنعيم الجنة في الآخرة.

وقد وصف الله الجنة في أكثر من آية من القرآن؛ ليكون الناس على بصر بما يلقون من جزاء.

وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية * فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة (الغاشية: 8-14).

إن للمتقين مفازا * حدائق وأعنابا * وكواعب أترابا * وكأسا دهاقا * لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا * جزاء من ربك عطاء حسابا (النبأ: 31-36).

إن المتقين في ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون * كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * إنا كذلك نجزي المحسنين (المرسلات: 41-44).

من هذا الوصف للجنة يتبين لنا أن الله وعد المتقين في الدار الآخرة متاعا من اللذة الحسية والسعادة، فجمع بينهما. وإذا كانت الجنة غاية خارجية، ففيها تحقيق للغايات النفسية.

وفي الوقت نفسه أوعد الله المفسدين الذين يؤثرون أنفسهم، بنار الجحيم، وفي ذلك يقول:

إلا أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين (المدثر: 39- 44).

والمنفعة من الغايات الأخلاقية الدنيوية، التي تخضع لغاية أسمى هي الفوز بالدار الآخرة

وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (البقرة: 11).

والمسلم مطالب بالمعيشة وفق الطبيعة، والتمتع بالطعام والشراب والزوج. كل ما في الأمر أن تكون هذه المعيشة الطبيعية ملائمة لمطالب الفرد ومطالب المجتمع، لا إسراف فيها، كما تحقق صلاحه وصلاح المجتمع وخيره.

وهناك مصالح رفعها الله إلى مرتبة الواجبات، وفرضها على الناس، كالصلاة والزكاة. فالذي يؤدي الزكاة إنما يؤديها لأنها واجب ديني، وهي في الوقت نفسه واجب خلقي. وبذلك تتوحد الواجبات الدينية والخلقية، كما رأينا في التوحيد بين الضمير الديني والخلقي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٤٨