تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسبيل إلى ذلك هو إحلال الضمير الديني محل الضمير الخلقي، بأن يستمد الضمير الخلقي وجوده من الدين، وبذلك يتوحد الضميران.

ويعتمد القابسي في هذا التأليف على حديث الرسول؛ سئل النبي: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.»

وقد ضرب القابسي في تفسير هذا الحديث المثل بالسيد والعبد الذي يجهد نفسه في حضرة سيده ليرضيه بحسن طاعته، فإذا خلا العبد من معاينة سيده له، فإنه قد يقصر. وقياس حال الإنسان مع الله على حال العبد مع سيده قياس مع الفارق العظيم؛ لأن دائرة المشاهدة عند السيد محدودة ويخفى عنه الكثير، وبذلك يتسنى للعبد أن يستغفله. أما العباد فإنما يستغفلون أنفسهم إذا أرادوا الاستخفاء من الله.

فالله يعلم كل كبيرة وصغيرة، ولا يخفى عليه شيء.

وقد دار الجدل بين المسلمين في علم الله، أيعلم الكليات والجزئيات أم الكليات فقط؟ قال ابن الجوزي: «وقد ذهب أكثر الفلاسفة إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئا وإنما يعلم نفسه ... وقد خالفهم ابن سينا في هذا فقال: بل يعلم نفسه، ويعلم الأشياء الكلية ولا يعلم الجزئيات. وتلقف هذا المذهب منهم المعتزلة.»

8

والقابسي يمثل مذهب أهل السنة، وهو أن الله يعلم الكليات والجزئيات، لهذا ساق آيات كثيرة من الكتاب لتأكيد هذه المسألة، نذكر منها:

وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (يونس: 61).

واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه (البقرة: 235).

ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه (ق: 16).

وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير (الحديد: 4).

والأصل أن الضمير هو الذي يطلع على خافية الأنفس؛ لأن الإنسان كساكن الدار لا يعلم ما يجري فيها على وجه التحقيق إلا صاحبها.

والقابسي يسلم للضمير بهذه القوة وهذه الوظيفة: قوة الحفز على العمل الصالح، والنهي عن ارتكاب السيئات، ووظيفة الاطلاع والرقابة على الأعمال. ولكنه في الوقت نفسه يؤمن بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يعلم السر والجهر، فهو رقيب على الرقيب من نفس الإنسان، بل هو ضمير لضمير الإنسان والإنسانية.

ولا خير في الضمير إن لم يكن حيا يقظا يؤدي وظيفته على وجهها الصحيح من الرقابة الصادقة والاطلاع الدقيق. فكثيرا ما يتبلد الضمير مع الإلف والاعتياد، فيقع في سبات لا يقوى معه على الشعور بالحسن والقبيح. وإن شعر فإنه لا يقوى على شحذ الهمة إلى أداء الفضائل، أو حفز النخوة إلى الابتعاد عن الرذائل.

لذلك قالوا عن صاحب الضمير الميت : إنه شخص بلا ضمير.

ولا أخلاق مع انعدام الضمير، والشرط أن يكون الضمير يقظا مع الأخلاق.

والرأي عند القابسي في إحياء الضمير يكون بوسيلتين تتفرعان عن أصل واحد. فالأصل هو الإيمان الخالص بالله القوي العليم الغفور، والسبيل الأول: «أن تعبد الله كأنك تراه، وأن هذا يلتزمه العبد لله في أحوال متقلبه ومثواه ... لأنه يجدد للمؤمن إيمانه كلما ذكره.» 13-ب.

والسبيل الثاني الاعتصام بالله؛ لأن الانزلاق الخلقي مرجعه اتباع الشهوات، ولا عاصم للإنسان من نفسه الأمارة بالسوء إلا الله ... «فإن هم به الشيطان أن يلبس عليه شيئا، فاستغاث ربه، واستعاذ به منه، فكفاه عدوه، وأعانه عليه ... وإنما المعصوم من عصمه الله جل وعز.» 14-أ.

الإيمان بالله، والتزام عبادته، والاعتصام به تعالى، هي الوسائل المؤدية إلى حياة الضمير، فتستقيم الأخلاق. وهذه أمور لا يعرفها الإنسان ويعمل بها بالبديهة والفطرة، وإنما تكتسب بالتعلم.

فالمعلم مكلف بتلقين الصبيان الإيمان الصحيح، والعبادات المختلفة والدعاء. وتمام يقظة الضمير، ومراقبة المرء لنفسه، ترفعه إلى مرتبة الصالحين، تلك المرتبة التي لخصها القابسي فقال: «إن كمال ذلك كله في قول الله عز وجل:

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٤٥