تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

في بعض آيات القرآن دعوة إلى الابتعاد عن الدنيا وإيثار الآخرة:

بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى (الأعلى: 16-17) وفي سورة النازعات:

فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى . (النازعات: 37-41).

والحقيقة أن دائرة الإسلام لا تشمل الآخرة وحدها، بل الدنيا أيضا، كما قال تعالى:

وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (القصص: 77).

والروح الصحيح للإسلام لا يتطلب الشدة، ولا يفرض القسوة على النفس. فالاستقامة في الدين كما يقول القابسي: «هو مداومة المقام فيه، لا ينكب عنه يمينا ولا شمالا، ولا يلتزم منه ما لا يطيقه.» ثم ذكر من أحاديث الرسول. «اكفلوا من الأعمال ما تطيقون.» وفي حديث آخر: «إن الدين يسر.»

والرأي عند محمد علي: «أن الإسلام يهتم أولا بهذه الدنيا، وأن الإنسان إذا عاش معيشة صالحة في هذه الدنيا، فإنه يبلغ درجة رفيعة في الآخرة. ولهذا اشتمل القرآن على كثير من المسائل الدنيوية المنوعة.»

7

من هذا نرى أن القرآن أكبر مرجع للمسلمين، وأول أصل من أصول الدين؛ والجانب الخلقي في القرآن عظيم.

لهذا كانت معرفة الدين عند القابسي لا تتم إلا بتعلم القرآن. ولعل القابسي لم يلزم الأمة ذكورا وإناثا بالتعليم، إلا ليتعلموا القرآن. وهو ينص على ذلك في صراحة إذ يقول: «إن حكم الولد في الدين حكم والده ما دام طفلا صغيرا: أفيدع ابنه الصغير لا يعلمه الدين؟ وتعليمه القرآن يؤكد له معرفة الدين.» 28-أ. (3) الضمير والأخلاق

تبين لنا أن الأصل في الأخلاق الإسلامية على مذهب أهل السنة يرجع إلى سلطة خارجية قاهرة هي سلطة الدين. وأساس هذا الدين القرآن الواجب تعليمه وتعلمه. والصلة بين الدين الإسلامي والأخلاق عظيمة تبلغ حد التوحيد بينهما. فالدين وسيلة لتكوين الخلق، والأخلاق مستمدة من الدين. ولا غنى لصاحب الأخلاق عن عقيدة تسمو على مطالب هذه الحياة الدنيا. إلى هذه العقيدة تتطلع النفوس وتذهب نحو الكمال.

ولعل الذي يجعل الإنسان يتطلع في أفق هذا العالم إلى شيء بعيد يتلمسه ويرقبه ويستمد منه العون، ويركن إليه في ساعات اليأس والمتاعب والنازلات هو امتياز الإنسان بالشعور.

والشعور النفساني هو المرآة التي تنعكس عليها أعمال المرء، فيرى فيها تقدير هذه الأعمال ويتسنى له أن يحكم عليها بالخير أو الشر.

هذا الشعور النفساني هو الذي يعبرون عنه في علم الأخلاق بالضمير؛ ذلك الذي يقف من المرء موقف الرقيب، يحثه على أداء الصالح، وينهاه عن فعل الضار؛ ويعاوده بعد أداء الأعمال، فيؤديه مستنكرا ما أساء، ويجزيه براحة الضمير أحسن الجزاء.

ولا أخلاق بلا ضمير، سواء اعتبرنا أصل الأخلاق سلطة خارجية دينية أو اجتماعية أو قانونية، أو اعتبرنا أصل الأخلاق هو هذه السلطة النفسية الصادرة عن النزعات الذاتية والأفكار الباطنة.

فالشعور بالواجب الخلقي هو الذي يدفعنا إلى الأعمال الصالحة.

والضمير هو الحد الفاصل بين الرغبات المطلوبة، والواجبات المفروضة في الطبائع الإنسانية يدركها صاحبها بالبديهة. وبعضهم يرجع بالضمير إلى الكسب والخبرة، وبذلك ينشأ الضمير فينا بالتعليم والتطور الاجتماعي.

ومن الواضح أن القابسي لا يقول بفطرة الضمير؛ لأنه أحال الأعمال الخلقية إلى سلطة خارجية هي السلطة الدينية.

والضمير على رأيه مكتسب مستمد من الدين.

والقابسي من الموفقين يؤلفون بين شتى المذاهب، ويلائمون بينها. فهو يثبت أن الله يعلم ما في السرائر، ويعرف خبايا النفوس، وهو الذي يراقب العباد، وفي الوقت نفسه يثبت أن الإنسان يعرف ما يعمل، وهو الذي يراقب نفسه؛ ثم يوفق بين مراقبة الله للأعمال وبين مراقبة صاحبها لها.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٤٤