والله خلقكم وما تعملون (الصافات: 96).
كانت البيئة دينية؛ التفكير الديني يسود فيها كل شأن من شئون الحياة. (2) القرآن أصل الأخلاق الإسلامية
الأخلاق نظرية وعملية. ولم ينص الإسلام على أخلاق نظرية منفصلة، يتبعها السلوك العملي، ويستمد قوته من تلك النظريات المقررة. وإنما رسم للناس قواعد العمل الصالح الذي ينبغي أن يسيروا عليه. ومرجع المسلمين في ذلك هو القرآن أولا، ثم السنة المكملة للكتاب.
والقرآن زاخر بهذه القواعد العملية التي تتناول أغلب أحوال الناس في معاشهم، وفي صلاتهم بغيرهم من الناس، ومعاملتهم بعضهم بعضا.
والإسلام دين السلام؛ سلام بين المرء ونفسه، وبين المرء وغيره.
وهو أول دين يحمل الخير للإنسانية كافة، لا يقتصر على شعب دون شعب، أو يؤثر أمة على أمة، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
فهو شريعة الله لنفع العباد:
إن الدين عند الله الإسلام .
أما الأديان الأخرى فإنها تنسب لأصحابها من الأنبياء والرسل والحكماء.
فالمسيحية تستمد اسمها من المسيح، وكذلك اليهودية والبوذية.
2
ويفسر القابسي الإسلام تفسيرا يؤكد به العمل المفروض على الناس من الله، على طريقة النظار من أهل السنة، لا على طريقة المتأخرين، فالإسلام هو: «عمل الجوارح بما افترض عليها؛ لأنه يدل على استسلام من قال: أسلمت لله.» 5-ب. وإذا لم يقترن الإسلام بالإيمان فهو النفاق.
فالإسلام هو الإيمان بالله، يضاف إليه العمل الصالح.
ويفسر بعض المعتزلة الآية السابقة تفسيرا أعمق، وأقرب إلى طريقتهم ومذهبهم، فالإسلام هو: «العدل والتوحيد. وهو الدين عند الله وما عداه فليس عنده في شيء من الدين.»
3
ويقترب من هذا التفسير ما يراه أمير علي؛ إذ يقول: «إن لفظ الإسلام مشتق من السلام، والتحية، والأمن، والإخلاص. ولا يدل هذا اللفظ، كما هو مشهور، على الاستسلام المطلق لإرادة الله، ولكنه على العكس يدل على الجهاد في سبيل الحق والعدل.»
4
هذا التفسير يتلاءم مع مبادئ الأخلاق؛ لأنه يجعل الإنسان مسئولا عن أعماله، ويؤكد حرية إرادته، وسنرى كيف يوفق القابسي بين الإرادتين: إرادة الله وإرادة الإنسان فيما بعد.
أما مبادئ الإسلام فهي ثابتة مقررة في القرآن.
وإذا نظرنا إلى القرآن نظر الباحث الذي يريد تحليل ما جاء فيه، وجدنا أنه ينقسم إلى أربعة أقسام: قسم للعقائد وما يتصل بها، وقسم للتشريع وثالث للأخلاق، ورابع للقصص.
وقسم التوحيد يدعو الناس إلى الإيمان بالله الواحد القهار، وذلك بأدلة كثيرة منها ما هو عقلي يدعو إلى التفكير والنظر، ومنها ما هو وجداني يثير العواطف المختلفة، ويبعث الرغبة والرهبة، فيقع المرء تحت تأثير العاطفة ويسهل عليه الانقياد. ويتصل بهذا القسم القول في الوحي والآخرة والجنة والنار، وأشباه هذه المسائل التي تعتبر جزءا من العقائد، وتندرج تحت ما وراء الطبيعة. ويتبع هذا القسم أيضا العبادات المختلفة، وأولها الصلاة وهي ذكر الله؛ لأن معرفة الله لا تتم بالنظر، وإنما تستكمل بالعبادة والقرب ودوام الذكر.
وقسم التشريع يبسط القوانين التي ينبغي اتباعها وتطبيقها في المعاملات المختلفة. وبهذا يحل القرآن كثيرا من المشاكل الدنيوية وهي مشاكل خاصة بعلاقة الإنسان بالإنسان، وبحياته الاجتماعية والسياسية، وصلته بأسرته وزوجته وما ينشأ عن ذلك من طلاق وميراث. ويشرع القرآن أيضا تشريعا يتصل بتوزيع الثروة، فيحل مشكلة رأس المال والعمل؛ تلك المشكلة العويصة التي برزت في العصر الحاضر بروزا واضحا، ونشأت عنها نظرية الشيوعية والاشتراكية.
والغرض من القصص هو ضرب الأمثال للناس للعبرة والقدوة كما قال تعالى:
ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل (الكهف: 54). ومخاطبة الخيال أوقع في النفس وأشد تأثيرا. وبذلك جمع القرآن بين خطاب العقل والعاطفة والخيال، فملك على الناس مناحي تفكيرهم، وسلب أفئدتهم، وكسب قلوبهم، وأثر في نفوسهم.