تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجماع هذه المبادئ الأربعة نجدها في القرآن، فهي مبسوطة وافية، ولكنها متناثرة في شتى آياته على الطريقة القرآنية، وهي ظاهرة لكل من ألم بالكتاب، ونظر فيه نظر أولي الألباب.

ما فرطنا في الكتاب من شيء (الأنعام: 38).

لهذا جعل المسلمون القرآن حجتهم ومرجعهم، ولهذا السبب ألزموا تعليمه ومعرفته. والفقهاء يعتبرون القرآن الأصل الأول من أصول الدين، ويعتبرون السنة مكملة للكتاب. قال القابسي: «ومشتهر عند المسلمين أنه جاء عن النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي؛ فهو شيء لا بد من تعلمه.» 31-ب.

والأخلاق من العلوم المعيارية التي تبسط للناس مثلا عليا ينبغي اتباعها، وتختلف عما يكون عليه الإنسان في الواقع.

ويرجع الأصل في الاختلاف بين الواقع والواجب إلى ظهور الدين والعرف، وكلاهما سلطتان قاهرتان خارجتان عن الفرد، ويخضع لهما الفرد.

وظل الإنسان زمنا طويلا لا يميز بين السلطتين؛ سلطة نفسه وسلطة الدين والعرف، الخارجتين عنه. والطفل لا يميز بينهما لقصور عقله؛ والعامة من الناس كذلك لا يفرقون بين هذه الذاتية وبين السلطة الخارجية، وذلك لجهلهم، وبعدهم عن التفكير في أنفسهم.

وأقدم الحضارات التي بينت في وضوح سلطة الدين على الأخلاق هي حضارة قدماء المصريين، التي آمنت بخلود الروح، والبعث والحساب والعقاب. وإنك لتجد في أوراق البردي، والكتابات المسجلة على جدران المعابد كثيرا من قواعد السلوك تعتبر هداية إلى الخير، وميزانا للعمل الصالح. لهذا السبب ارتقى العمران عند قدماء المصريين، واستمرت حضارتهم أحقابا طويلة.

ويعتبر المؤلفون الأوروبيون أن سقراط هو أول من تكلم في علم الأخلاق كلاما له قيمته، بل يعتبرون سقراط واضع علم الأخلاق. وقد صرح بأن الحياة الخلقية تعتمد على أصلين: قوانين الدولة المكتوبة، والقوانين الإلهية غير المكتوبة. ولكن سقراط قد أحس في الوقت نفسه بتدهور الحياة الخلقية التي كان يحياها معاصروه فحاول أن يكشف عن المبادئ العامة الخلقية المسلم بصحتها، وانتهى إلى أن الفضيلة وليدة المعرفة؛ أي أنها أمور يمكن تعليمها وتعلمها.

1

أما أفلاطون فيقابل بين العالم المحسوس والعالم المعقول، ولا يجد الخير إلا في العالم العلوي المعقول، حيث نجد المثل تتدرج نحو الإله الخير الصانع. وقد أعجبت الأفلاطونية المسيحيين لما فيها من روحانية تتفق مع روح المسيحية. وتعتمد المسيحية على مبادئ ثلاثة: فكرة الذنب الموروث، والدعوة إلى محبة الناس كافة، والاعتقاد في الثواب والعقاب في الآخرة.

فالأخلاق إلى عهد المسيحية كانت تسلك طريقين: الأول محاولة الرقي بالإنسان نحو الكمال، والثاني التسليم بأن المعصية موروثة، وأن الخلاص منها بيد الله.

وكلا الطريقين يستند إلى وجود الله، ويعتبر أنه تعالى الأصل في الأخلاق.

ونظر الفلاسفة المحدثون إلى مشاكل العالم والإنسان بالعقل الحر الطليق من جميع الآراء السابقة، وقد وجدوا أن وجود الله ضرورة من ضرورات هذا العالم. فديكارت والمدرسة الديكارتية تصل بين الأخلاق وبين ما بعد الطبيعة، وتجعل الله، وهو الكمال المطلق، أصل الأخلاق.

وهوبز الفيلسوف الإنجليزي ممن يعتبرون الدين وهو سلطة خارجية مصدر التشريع الخلقي، وأن الفعل الخلقي يعتبر خيرا لأن الله يريده، وبذلك يتفق مع الإرادة الإلهية.

فإذا كنا في العصر الحديث لا نزال نفسح المكان للجانب الإلهي الذي يصدر عنه الخلق والخلق بل كل شيء، وعلى الرغم مما يسود العالم من حرية رأي، وجرأة فكر، وفلسفة مادية ملحدة تحاول تفسير كل شيء، فليس من الغريب أن نجد فقهاء المسلمين، ومن بينهم القابسي، يردون كل شيء إلى الله، ويجعلون الواحد القهار الرحمن الرحيم، أصل الأخلاق، ومصدر الأعمال، وهو القائل في كتابه:

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٤١