تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا اتصل التعليم بالدين اتصال الوسيلة بالغرض.

ومن النتائج المهمة التي ترتبت على هذه الصلة الضرورية، أن الديانة الإسلامية تسوي بين العباد ولا تفضل عربيا على أعجمي إلا بالتقوى، ولا تقصر معرفة الدين على فئة دون فئة؛ وقد حرص المسلمون من أول الأمر على نشر الدين، والمساواة بين الناس في مقدار إنسانيتهم. فإلى جانب ما هو موجود في القرآن من النص على هذه المساواة، فإن سيرة النبي والصحابة والخلفاء الراشدين تبين بطريقة عملية امتناع التفاوت بين الناس في الأقدار والمنزلة الاجتماعية، على العكس من ذلك ساروا سيرة التواضع والبساطة والإقلال، مما يجعلهم يقتربون من العامة لا من الخاصة أو أوساط الناس. كان النبي يخصف نعله ويرقع ثوبه، وقد ثارت فئة من المسلمين على عثمان بن عفان لأنه ابتنى الدور والقصور مما لم يعهد عن رسول الله، ذلك لأن حرص المسلمين كان على السبق في المنزلة الدينية. فإذا كان الجميع سواء أمام الله، فأفضلهم عند الله أتقاهم. ودار الزمن وأثرى المسلمون، وأسلم كثير من الأعاجم، وأقبلت عليهم الدنيا، وبقي هذا الروح الذي يعبر عنه بالاصطلاح الحديث بالروح الديمقراطي قائما، لا يجرؤ أحد أن يخالفه. ومما يساعد على انتشار هذا الروح ويمنع من تغيره ويعمل على بقائه وتثبيته، صلاة الجماعة التي يقف فيها الغني إلى جانب الفقير، والأمراء إلى جانب السوقة. لكل هذا لم يستطع أحد من المسلمين أن يدعي احتكار الدين لنفسه، يبيعه بعد ذلك لمن يريد طلبه، أو يكون واسطة بين هؤلاء الطالبين وبين الله؛ ومع ذلك فقد درجت في الإسلام في عصور متقدمة ومتأخرة كثير من النظريات يبغي أصحابها احتكار العلم والدين، مثل بعض فرق الشيعة، وإخوان الصفا، ومتأخري المتصوفة الذين اصطنعوا نظرية الأقطاب والأولياء يتوسطون بين المريدين وبين الوصول إلى معرفة الله. ولكن جميع هذه التيارات وأمثالها لا تنفي أن يتعلم الناس جميعا القرآن والعبادات الشرعية المفروضة كالصلاة والزكاة، وهي مذاهب يتحول إليها المسلمون بعد مرحلة الشباب لا قبلها؛ لأن فهمها يحتاج إلى سعة درك وعمق تفكير. ويبقى بعد ذلك أن الصبيان ينبغي أن يتعلموا القرآن والصلاة، وأن تعليمهم هذه المبادئ لا يتسع معها الخلاف أو الجدل، وأهم من هذا كله أن الإسلام يتوجه إلى الجميع فلا بد أن يتعلم الجميع.

فالديانة الإسلامية في طبيعتها النظرية من حيث العقيدة، وفي روحها الذي درج على تفسيره رجال الدين في عصوره المختلفة، تدعو إلى نزعة ديمقراطية وتنحو ناحية المساواة.

وقد أثرت هذه النزعة في التعليم أثرا كبيرا، إذ إن تأصل فكرة الديمقراطية والمساواة الدينيتين، انتقلتا إلى التعليم أيضا.

وقد تنبه المسلمون منذ عصر النبي إلى قيمة التعليم في معرفة الدين معرفة صحيحة. وكان التعليم ضروريا في ذلك العهد لحاجة النبي والخلفاء من بعده إلى نشر الإسلام بين سكان جزيرة العرب الذين يدينون بالوثنية، وبين الفرس الذين يدينون بالمجوسية، وبين أهل الكتاب، فلما أسلم أهل تلك البلاد المختلفة في خلال قرن أو قرنين من الزمان، لم تبطل الحاجة إلى التعليم، لتفقيه الأبناء شئون دينهم المفروض عليهم. (5) إلزام التعليم

وكان التعليم في بدء الأمر تطوعا في سبيل الله. ثم انتظم التعليم في الكتاتيب والمدارس، وتناول المعلمون الأجر. فأصبحت المسألة التي تواجه الفقهاء هي البحث في تعليم الصبيان أواجب هو أم لا؟ وإذا كان واجبا، فمن هم المكلفون بذلك؟ وما هو نوع التعليم الذي ينبغي أن يكتسبه الطفل؟ إلى غير ذلك من المسائل الطارئة في الإسلام، والتي لم يحكم فيها فقهاء العهد الأول في الإسلام، وهم المتبعون في الأحكام.

والمعروف أنه بعد استقرار المذاهب الأربعة في الأمصار، أصبح باب الاجتهاد عسيرا، بحيث يحتاج الفقيه إلى كثير من الجرأة في الفكر والاعتدال في الرأي ليخرج على الناس بحكم جديد.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٣٦