تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان القابسي، على الرغم من اتباعه الدقيق لشيوخه الفقهاء، جريئا في مسألة من المسائل الاجتماعية التي شق بها الطريق لمن جاءوا بعده؛ تلك هي مسألة إلزام التعليم التي أحسن عرضها، وساقها في تطورها مع التاريخ حتى وصل بها إلى العصر الذي يعيش فيه، إلى أن بسطها الفقهاء الذين خلفوه بسطا جديدا، ولكنه أحس بها إحساس من يلتمسها التماسا، ويدور حولها دوران من يشعر بغموض الفكرة.

وإلزام التعليم خطاب للمجتمع بأسره لا لبعض الأفراد فيه.

فالقابسي يريد أن يعلم أبناء الشعب جميعا؛ لأنه يريد أن ينشر الدين ولا يحرم أحدا.

ولم يرد في القرآن نص على وجوب التعليم، ولا يوجب الحديث مثل ذلك، ولم يعهد عن الصحابة والتابعين أنهم أوجبوا على الناس تعليم أبنائهم وإرغامهم على إرسالهم إلى الكتاتيب، أو استحضار المعلمين لهم، والكتاب والسنة والإجماع هي الأصول التي يرجع إليها الفقهاء في أحكامهم. وليس غريبا أن نجد القرآن خلوا من نص على التعليم، فلم يكن في العهد الذي نزل به القرآن كتاتيب، إلى جانب أن التعليم في الكتاتيب من الأمور الدنيوية البحتة التي لا يتعرض لأمثالها القرآن وإنما يتركه لتصرف العباد.

لذلك احتال القابسي للحكم في هذه المسألة الجديدة التي لم يسبقه إليها أحد. وبين أيدينا كتاب ابن سحنون مما دون عن أبيه في التعليم، فلا نجد فيه ذكرا لهذا الموضوع.

وأدلة القابسي قوية أخاذة تنقلك من فكرة إلى أخرى حتى ينتهي بك إلى أن تعليم جميع الصبيان ضروري واجب، وأن هذا الوجوب هو الوجوب الشرعي، على طريقة الفقهاء.

ذلك أن معرفة العبادات واجبة بنص القرآن، ومعرفة القرآن واجبة أيضا لضرورتها في الصلاة، وأن الوالد مكلف تعليم ابنه القرآن والصلاة لأن حكم الولد في الدين حكم أبيه. فإذا لم يتيسر للوالد أن يعلم أبناءه بنفسه فعليه أن يرسلهم إلى الكتاب لتلقي العلم بالأجر، فإذا لم يكن الوالد قادرا على نفقة التعليم فأقرباؤه مكلفون بذلك. فإذا عجز أهله عن نفقة التعليم فالمحسنون مرغبون في ذلك، أو معلم الكتاب يعلم الفقير احتسابا أو من بيت المال.

النتيجة التي يريد أن يصل إليها القابسي هي تعليم جميع أبناء المسلمين؛ أغنياء وفقراء. وهذا هو التعليم الإلزامي بعينه أعلنه القابسي في القرن العاشر الميلادي أي في صميم القرون الوسطى التي كان أهل أوروبا يعيشون فيها مع الجهل والظلام.

وقد تركزت هذه النظرية فيما بعد واستقرت عند فقهاء المذاهب فجعلوا طلب العلم فرضا. في مقدمات ابن رشد:

8 «وطلب العلم والفقه في الدين من فروض الكفاية كالجهاد أوجبه الله تعالى على الجملة. سئل مالك عن طلب العلم أواجب هو أم لا؟ فقال: «أما على كل الناس فلا.» وروي عن ابن وهب كان جالسا معه (مع مالك) فحضرت الصلاة، فقام إليها، فقال له: «ما الذي قمت إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه».» قال ابن رشد: «وهذا كلام فيه نظر، كيف يكون طلب العلم على أحد أوجب عليه من صلاة الفريضة؟ فالمعنى عندي إن صحت الرواية أنه أراد ما الذي قمت إليه بأوجب عليك في هذا الوقت من الذي قمت عنه؛ لأن الصلاة لا تجب بأول الوقت إلا وجوبا موسعا.» إلى أن قال: «وكما يجب على المتعلم التعلم، فكذلك يجب على العالم التعليم.

إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (البقرة: 159).»

أما الغزالي

9

فقد قسم العلم إلى قسمين: فرض عين، وفرض كفاية، وهو في ذلك يرجع إلى حديث الرسول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» قال: «واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على كل مسلم فتفرقوا فيه أكثر من عشرين فرقة، كل فريق نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده، فقال المتكلمون: هو علم الكلام إذ به يدرك التوحيد؛ وقال الفقهاء: هو علم الفقه إذ به تعرف العبادات والحلام والحرام؛ وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة؛ وقال المتصوفة: المراد به هذا العلم. أما رأي الغزالي فإنه علم المعاملة التي كلف العبد العاقل البالغ العمل بها. أما العلم الآخر فهو علم المكاشفة على مذهبه في التصوف. أما العلوم التي هي فرض كفاية فهي تلك التي يلزم معرفتها لكمال الدين كالنحو والعربية والتفسير والقراءات والحساب.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٣٧