7
وبهذه الوسائل العنيفة من الهجوم والطعن، أبطل فقهاء أهل السنة الاشتغال بما عدا المعروف عن الأئمة، واستمع لهم العامة والجمهور؛ لأنهم نشئوا على التعاليم منذ الصغر في الكتاتيب.
فإذا شئنا أن نبحث في علة ركود الحركة العقلية عند المسلمين بعد القرن السادس بعد أن ظلت هذه الحركة قوية مزدهرة منذ القرن الثاني في التأليف والترجمة في شتى العلوم والمعارف، بما كان يبشر بأن يحمل المسلمون لواء العلم والحضارة في العالم أجمع، فينبغي أن نتلمس أسبابها في بذورها الأولى عند الصبيان الذين انطبعت نفوسهم على طريقة خاصة في فهم الدين يصعب التحول عنها.
ومن النتائج التي ترتبت على اضطلاع أهل السنة بالتعليم العام جمود التعليم ووقوفه عند طريقة لا يتطور عنها، والسر في ذلك أن غايتهم القصوى هي حفظ القرآن، وغرضهم هو تلقين أصول الدين، مع الابتعاد عن تعليم أي مسألة من مسائل الدنيا إلا ما قضت به الضرورة. ونقول: إنه انتهى الحال في الكتاتيب بصورة عملية إلى حفظ القرآن والكتابة والقراءة فقط. ولطول العهد بهذه الطريقة التي دارت مع الزمان، واتبعها الناس قرنا بعد قرن، آمنوا أنها الطريقة الوحيدة التي ينبغي اتباعها. ولما كان القرآن ثابتا لا يتغير، ولما كان الصبيان لا يتعلمون في الأغلب إلا القرآن، فإنك قد تدخل الكتاتيب في القرن الرابع، فلا تجد فيها فارقا عن الكتاتيب في القرن الرابع عشر إلا في بعض أمور شكلية. (4) الغرض من التعليم
الغرض من تعليم الصبيان عند القابسي ، وعند فقهاء أهل السنة جميعا هو معرفة الدين، علما وعملا.
والقابسي ينظر إلى الحياة، ولا يبتغي منها إلا وسيلة إلى الآخرة، فهو يسرف في نظرته الدينية، ويجعل الإنسان يستغرق جميع أوقاته، وجميع أعماله في سبيل الدين وباسم الدين.
وليس هذا الموقف غريبا عن القابسي وهو التقي الصالح، الورع الحافظ للقرآن والسنن وأصول الدين وأصول الفقه.
ولم يكن القابسي في حقيقة الأمر إلا مرآة للعصر الذي عاش فيه، يصف ما يفعل الناس ويثبتهم في هذا العمل الصالح. وكان العصر كله عصر دين تغلب على النزعات المادية، وكان الناس قريبي العهد بالزمن الأول الذي عاش فيه الصحابة والتابعون فلم ينسوا ما كانوا عليه من سيرة روحية ترمي إلى ابتغاء مرضاة الله، والعمل للدار الآخرة.
وتمييز الغرض في الذهن ضروري لتحديد وسائل العمل، وكان الغرض من التعليم واضحا في ذهن القابسي، وفي ذهن من تقدموا من قبل منذ عصر النبي. كانوا يقصدون إلى تعليم المسلمين الدين، مما لا يتيسر إلا بمعرفة بعض المبادئ التي تكتسب بالتعليم.
ومن هذه المبادئ القراءة والكتابة، لا على أنها غاية في ذاتها يكمل الإنسان بها نفسه، بل على أنها سبيل إلى سهولة تحصيل عنصر عام من عناصر الدين وهو القرآن، ولذلك افتدى النبي عشرة من أسرى بدر بتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة. والقرآن هو كتاب المسلمين الذي يجمع في آياته قواعد الدين، وأسرار العقيدة. وإذا كان لأصحاب الديانات المختلفة كتب سماوية أو غير سماوية، فإنها لم تبلغ مبلغ القرآن في تأكيده أنه كلام الله وتنزيل العزيز الحكيم، مما يجعله أكثر قداسة، وأبعد عن الشكوك والريب، وأدعى إلى القبول. ومعرفة القرآن ضرورية لمعرفة الدين، حيث لا تتم الصلاة إلا بقراءة شيء من القرآن فيها. والصلاة مفروضة على المسلمين لأنها ركن من أركان الدين، ولذلك يقول القابسي كما يقول الفقهاء: «وقد أمر المسلمون أن يعلموا أولادهم الصلاة والوضوء لها.» ويقول أيضا: «إن حكم الولد في الدين حكم والده ما دام طفلا صغيرا. أفيدع ابنه الصغير لا يعلمه الدين؟ وتعليمه القرآن يؤكد له معرفة الدين.» وهذا كله واضح الدلالة في أن الغرض الأول من التعليم هو معرفة القرآن والصلاة، أي معرفة الدين علما وعملا. غير أن القابسي لم يبسط الموضوع على الأساليب الحديثة، التي تقدم الأغراض ثم تسوق الوسائل لخدمتها، ولكننا نتلمس الأغراض عنده من خلال ما كتب، ونقول إن تخصيصه فصلا عن الإيمان والإسلام، لم يكن إلا نوعا من تحديد الغرض للتعليم. ونتلمس أيضا غرضه مما كتب عن تعليم البنت، فهو يريد أن يعلمها القرآن والعبادات المختلفة لأنها فرضت على المؤمنين ذكورا وإناثا. ولكنه إذ يقول إن سلامتها من تعلم الخط أنجى لها، يبين لنا أن غرضه من التعليم هو الاقتصار على معرفة الدين ويضحي بتعلم القراءة والكتابة إذا خشي فسادها.