تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتعليم الذي نقصده هو تعليم الصبيان، لأننا بصدد الكلام عن تعليم الصبيان فقط. ونوع التعليم هو الدين لأنه المقصود في ذلك العصر.

ولم يكن من السهل على المتكلمين المتعمقين في فهم العقيدة الإسلامية أن يقوموا بتعليم الصبيان، ولم يكن جدلهم مما تستسيغه هذه العقول الناشئة، وطريق المتصوفة وعر يصعب سلوكه على الرجال، وهو مستحيل على الصبيان.

لهذا انتهى تعليم الدين الصبيان إلى أيدي أهل السنة.

ولم يحاول أهل السنة تغليب مذهبهم بالقوة أو العنف، أو يفرضوه فرضا على الناس، وإنما نجحوا حين أخفق غيرهم، لقرب مذهبهم من البداهة وبساطة الفطرة.

والتعليم على مذهبهم مخالف بطبيعة الحال لألوان التعليم التي صورها أصحاب المذاهب الأخرى، والتي نعرض لها في فصل آخر، لنبين أن التعليم ظل للمذهب العقلي أو النقلي الذي يعتقده صاحبه.

ويرجع السر في وقوع تعليم الصبيان في أيدي أهل السنة إلى أسباب كثيرة، منها أن كثيرا من المفكرين في الإسلام ترفعوا عن تعليم الصبيان، وتركوا هذا الأمر لغيرهم. وقد صرح بذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا الذين بينوا طريقة التعليم مبتدئين بالشباب في سن الخامسة عشرة.

وأهم هذه الأسباب هو عمق المذاهب الإسلامية الأخرى التي تدق على أفهام الصبيان.

وإذا كان جميع هؤلاء بحثوا في الدين، ونشدوا وجه الحق فيه، فإن أهل السنة جمعوا بين الدين وبين الحقيقة على وجه وافقهم عليه الجمهور؛ لأنه يقع في طوق المقدور. ويتفق مع هذا الرأي الغزالي الذي قال عن المعتزلة: «من أشد الناس غلوا وإسرافا طائفة من المتكلمين كفروا المسلمين وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر. فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولا، وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين.»

4

والغزالي يضع مقام العوام في مرتبة أدنى من مرتبة النظار، وأن الحق في هذا المقام هو: «الاتباع والكف عن تغيير الظواهر رأسا ... وحسم باب السؤال رأسا، والزجر عن الخوض في الكلام والبحث.»

5

ورأي الغزالي جزء من مذهبه في التصوف؛ لأن حد الكفر والإيمان عنده لا يتجلى للقلوب المدنسة بطلب الجاه والمال وحبهما، بل إنما ينكشف ذلك لقلوب: «طهرت عن وسخ أوضار الدنيا أولا، ثم صقلت بالرياضة الكاملة ثانيا، ثم نورت بالذكر الصافي ثالثا، ثم عذبت بالفكر الصائب رابعا، ثم زينت بملازمة حدود الشرع خامسا، حتى فاض عليها النور من مشكاة النبوة.»

6

وإذا كان الغزالي قد عاب على المتكلمين إسرافهم في مطالبة العوام بمعرفة أسرار الإيمان بأدلة عقلية عميقة يصعب على أذهان العامة بلوغها لقصور أفهامهم، فإننا نعيب على الغزالي وعلى المتصوفة أن يقصروا طريق الإيمان على الكشف والصفاء، مما لا يتيسر للدهماء.

وقد نشأ عن وقوع تعليم الصبيان في أيدي أهل السنة نتائج كثيرة في الحياة العقلية للمسلمين.

وأهم هذه النتائج أن صبيان العامة نشئوا ولا يعرفون من الدين إلا ما لقنهم إياه شيوخ أهل السنة. والآثار التي يحملها الإنسان معه من الصبا تكون عزيزة عليه، ويصعب محوها. وقيل في الأمثال: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. حتى إذا شب الصبي، وخرج من الكتاب، ونزل إلى معترك الحياة، واطلع على صور المنازعات العقلية الدائرة حول الأبحاث الدينية، اتجه دون شعور إلى الناحية التي عرفها في صباه، وتعصب للرأي الذي صحبه مع الحياة. وقد كان النزاع عنيفا حادا بين المتكلمين والفلاسفة وأهل السنة. المتكلمون والفلاسفة يغلبون العقل على النقل، ويبحثون المسائل في كثير من حرية الفكر، وهم على استعداد لتجريح آراء السلف إذا أثبتوا بالعقل فسادها. على أن الانتصار في حلبة هذه المعارك العقلية كان يحتاج إلى سند من الجماهير، وتأييد من العامة؛ لأنهم في آخر الأمر هم أداة الحياة للرأي. وقد يكون المتكلمون على حق، وقد يكون الفلاسفة كذلك، ولكن الحق من غير قوة تسنده مصيره إلى الانهيار. وهذه هي طبيعة الحياة. وقد وقف العامة من المتكلمين والفلاسفة، بل من كل صاحب رأي جديد حر موقفا شديدا أخاف المفكرين، وجعلهم ينطوون على أنفسهم خشية غضب العامة وثورة الجماهير، والثورة تلتهم ولا تعرف رحمة ولا عقلا. فإذا كنا في القرن السادس الهجري نجد تعصب الجماهير قد بلغ الأوج فأحرقت كتب ابن رشد وأصيب بمحنة عظيمة. وانتصر الغزالي لأن العامة كانت من ورائه تشد أزره وتعضد رأيه بالعنف والقوة. وأغرب من ذلك مهاجمة أهل السنة للمنطق لأن الفقهاء لم يعترفوا بمنطق اليونان، ومن أقوالهم: «إن هذا الشافعي وأحمد وسائر أئمة الإسلام وتصانيفهم وأئمة التفسير وتصانيفهم لمن نظر فيها، هل راعوا فيها حدود المنطق وأوضاعه وهل صح لهم علمهم من دونه أم لا، بل هم كانوا أجل قدرا وأعظم عقولا من أن يشغلوا أفكارهم بهذيان المنطقيين.»

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٣٤