تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بذلك كان الدين في الغرب والشرق هو الشغل الشاغل للأذهان، واستمرت المسيحية والإسلام في حربهما للكفر والإشادة بالإيمان طوال القرون الوسطى.

وأخذ المسلمون كما أخذ المسيحيون يلقنون أبناء الأجيال أسرار الدين وحكمة العقيدة ويطبعون الناشئة على الدين الجديد عن طريق التعليم.

تلك هي البيئة الاجتماعية التي استنارت بضوء الدين، ونور الإيمان واليقين؛ فخضع الناس في كل عمل من أعمالهم الظاهرة، وفي كل نزعة وكل اختلاجة باطنة لتعاليم الدين.

ما الدين الإسلامي وما عقيدته وأسراره، ودعوته وأعماله، وما الديانة المسيحية علما وعملا؟ هذا هو الذي شغل أذهان المفكرين في ذلك العصر.

واختلف رجال الدين وأصحاب الرأي وقادة الفكر في النظر إلى الدين وشرح أصوله وبيان مختلف مناحيه. لذلك نرى أن كل مفكر في الإسلام بدأ يعرض العقيدة الإسلامية على النحو الذي يعتقد أنه الحق والصواب. فلا يخلو كتاب في الفقه أو الحديث أو التاريخ أو الآداب أو الفلسفة من مقدمة تفصح عن عقيدة صاحب الكتاب، وقد تطول هذه الخطبة وقد تقصر، ولكنها على أي الحالات تبدأ بالبسملة والحمد، فتذكر اسم الله الرحمن الرحيم، شهادة بالتوحيد واعترافا بالإيمان والتسليم.

وهكذا بدأ القابسي بذكر اسم الله، ثم أخذ في شرح الإيمان والإسلام.

والكلام في الإيمان والإسلام هو بيان لما يفهمه القابسي عن الديانة الإسلامية، وشرح للعقيدة الإسلامية على طريقة أهل السنة. وفي ضوء هذه الحدود ينبغي للصبيان أن يفهموا الدين، وينبغي للمسلمين أن يقوموا بالتعليم.

ولم يكن تفصيل القول في الإيمان والإسلام أثرا من التقليد الأعمى الذي يقوم به بعض الكتاب مقتفين أثر السابقين وعادة الأوائل، كما كان يفعل الشعراء في الإسلام من ابتداء قصائدهم بالبكاء على الأطلال والدمن كصنيع الشعراء في الجاهلية، ولكن القابسي اضطر إلى إعلان الرأي عن الإيمان والإسلام لما بين الدين والتعليم من صلة وثيقة، بل صلة ضرورية، هي علاقة الأصل بالفرع والغاية بالوسيلة.

وهي صلة لم يصنعها القابسي، ولم يفرضها على التعليم فرضا، ولكنه استمدها من الحياة نفسها، حيث كان الدين سائدا في عصره - كما أسلفنا القول - كل لون من ألوان الحياة الاجتماعية. (2) العقيدة الإسلامية عند أهل السنة

غير أن ماهية الدين كانت موضع خلاف بين المسلمين، وقد استطارت الفتن بين أهل المذاهب المختلفة إلى درجة أنهم كانوا يكفر بعضهم بعضا.

وعقيدة الديانة الإسلامية كما يفهمها القابسي، وكما يريدها وكما ينبغي أن تذيع في الناس عن طريق التعليم تتلخص في خمس:

الإيمان، والإسلام، والإحسان، والاستقامة، والصلاح.

فالدين عنده نظر ينتهي إلى عمل. وليس الدين هو الإيمان فقط أو الإسلام فقط، أو الإحسان والاستقامة والصلاح فحسب، وإنما هو كل ذلك مجتمعا. فالشخص الذي ينتحل الإسلام ينبغي أن يكون مؤمنا ومسلما ومستقيما ومحسنا وصالحا.

هذا الطريق في فهم الدين يختلف عن رأي كثير من أصحاب الفرق الإسلامية الذين نظروا إلى المسلم من جانب واحد لا من هذه الجوانب مؤتلفة. وعندنا أن القابسي لم يضع العقيدة الدينية أو مبادئ الدين في ناحية وأداء المسلم لها في ناحية أخرى، ولكنه مزج بينهما ونظر إلى الدين في سلوك المسلم، أو نظر إلى سلوك المسلم في دينه، وهذا الاتجاه في التفكير هو الذي يجعله يدمج الإيمان في الإسلام ولا يفصل بينهما.

هذه النظرة تركيبية لا تحليلية.

فهي تركيبية؛ لأنه يجعل سلوك المرء وحدة لا تتجزأ ، بل أكثر من هذا يوحد بين سلوكه الخارجي الظاهر، وبين إيمانه الباطن وعقيدته الداخلية، بين التصديق بالقلب وعمل الجوارح، بين الإيمان والإسلام.

أما غيره من المتكلمين والفقهاء فقد حللوا المعاني المنطوية تحتها أعمال المسلم في ظاهره وباطنه، وقسموا الأعمال المختلفة إلى كبائر وصغائر فيما يختص بالمحرمات، وتجاوزوا عن الصغيرة وكفروا مرتكب الكبيرة، واختلفوا فيما بينهم على هذا التقسيم اختلافا كبيرا.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٣١