وعندنا أنهم بهذا التحليل قد جزءوا شخصية المسلم، وتكلموا لا عن شخص يعمل، بل عن معان منفصلة لم يرتفعوا بها إلى الوحدة التركيبية الواجبة بعد التحليل الجدلي.
وكثير من فقهاء أهل السنة يميزون بين الإيمان والإسلام، وعندهم أن الإيمان هو التصديق الحاصل في القلب، وأما الإسلام فهو إظهار الإيمان والإعلان به، فكل مؤمن مسلم لأن من اعتقد الإيمان في الباطن فهو معلن به في الظاهر، وليس كل مسلم مؤمنا لأن المنافق والزنديق يظهران الإسلام ويعتقدان الكفر، فالإسلام أعم من الإيمان.
1
ويهمنا أولا أن نقرر رأي أهل السنة في هذه المسألة لما لها من أثر في الموضوع الذي نعالجه وهو موضوع التعليم، والغالبية عندهم أن الإيمان والإسلام والدين عبارات عن معنى واحد، كما هو عند البخاري.
2
ثم أضاف الكرماني في شرحه لحديث الإيمان والإسلام أن قد «اضطربت أقوال العلماء فيمه قديما وحديثا.» وقال محيي السنة: جعل النبي
صلى الله عليه وسلم
الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك: «تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين.»
فالقابسي على هذا الرأي الذي يجعل من الدين وحدة، ومن الإيمان والإسلام جملة لشيء واحد.
والإيمان والإسلام جاء بيانهما في حديث الرسول المشهور، فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ولقائه ورسله والبعث الآخر، والإسلام هو العبادة التي تجتمع في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
على أي شكل تكون هذه العبادات؟
إنها مفروضة على أي الحالات، ولا محل للبحث في تاركها. وإنما السؤال أيؤديها المسلم كيفما اتفق، أم يقبل عليها وينفق فيها حياته؟
يطالب القابسي أولا بإحسان عبادة الله في كل ما يتعبد الإنسان، وذلك يكون بالإخلاص في هذه الأعمال، على أن يذكر الإنسان الله حين العبادة كأنه يراه، فإن لم تكن تراه أيها العبد فإنه يراك. وهذا هو المقصود الصحيح من ذكر الله لا كما يفعل المسلمون في العصر الحاضر في حلقات الأذكار يرددون فيها اسم الله ترديدا آليا، وينسون بعد ذلك المعنى السامي من ذكر الله وهو الرقابة على الأعمال. فالغرض من الإحسان هو نوع العبادة التي يؤديها المرء خالصة لله تعالى.
أما الاستقامة فهي مداومة المقام في الدين، ولا ينكب عنه يمينا ولا شمالا، ولا يلتزم منه ما لا يطيقه، فالدين يسر. والقابسي يجري مع روح الإسلام الواقعي الذي ينشد التوسط، ويلتزم الحدود البشرية، وللإنسان بعد ذلك أن يزيد في العبادة بما يطيق، وهذه هي صفة الصالحين، وقد رتبهم القابسي درجات أدناها أن يسلم العبد من الخطايا، وأوسطها الاقتصار على أداء الفرائض واجتناب المحارم مع حسن العبادة، وأرفعها أداء النوافل بعد استكمال الفرائض وهؤلاء هم الأولياء. «فما سلم العبد من الخطايا فهو من الصالحين، وما زاد بعد ذلك من طاعة ربه زاد خيرا.» 14-أ.
فنحن نرى أن القابسي يشرح الدين بما يلائم المجتمع بأسره، ويتفق مع الطبيعة الإنسانية دون مغالاة أو إسراف. (3) غلو المتكلمين والمتصوفة
وطائفة المسرفين في الدين هم أهل التصوف، وهم متفاوتون في مقالاتهم عن العبادة، فالشهرستاني ينشد التصوف مع الاعتدال، مع أنه على مذهب الأشاعرة. قال: إن الإسلام هو المبدأ، ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من الله تعالى، بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كان مؤمنا حقا. ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق، وقرن المجاهدة بالمشاهدة، وصار غيبه شهادة فهو الكمال. فكان الإسلام مبدأ وسطا، والإحسان كمالا.
3
فمذهب الأشاعرة يوفق بين رأي المعتزلة العقلي وبين رأي أهل السنة النقلي ، ذلك أن المعتزلة في مسائل الاعتقاد لم يقبلوا ما جاء في الكتاب والسنة قبولا أعمى بل أثبتوا الوحدانية والصفات لله بالعقل، ثم تكلموا في القضاء والقدر كلاما أثبتوا فيه الحرية للإنسان، وأن أفعال العباد مخلوقة لهم، وهذا ما دعا الأشاعرة أن يخففوا من هذا التطرف العقلي، ويقفوا من إرادة الله موقفا وسطا، وأن ما يصيب الإنسان فمن الله.