تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت المدارس الكنسية ملحقة بالأديرة والكنائس والمعيشة فيها داخلية. (3)

الغرض من هذا التعليم هو التأثير في الشخصية، وطبعها بالطابع المسيحي، وإعداد التلاميذ لحياة الرهبنة. (4)

لم تكن هذه المدارس عامة لجميع أفراد الشعب، بل اقتصرت على طبقة الكهنوت.

ومن الواضح أن هذا النوع من التعليم يختلف عن الكتاتيب الإسلامية؛ فالكتاتيب الإسلامية عامة لجميع أفراد الشعب، ولم يكن من الضروري وجودها بالمساجد، ولم يكن يعيش الصبيان فيها معيشة داخلية. ولم تكن صلة معلم الكتاب بالصبيان صلة الراهب بتلاميذه يقتحم شخصياتهم ليطبعها بطابع المسيحية. ذلك أن معلم الكتاب ملقن ومرشد وليس واعظا يسعى إلى بث آراء معينة، فهو يعلمهم القراءة والكتابة، ويحفظهم القرآن الكريم، وهو الجزء الأساسي من تعليمه.

ولو أن المسلمين أخذوا نظام الكتاتيب عن الفرس والروم، ونقلوها عنهم، لظهرت منذ بدأت الدعوة الإسلامية. ولكن الواقع يدلنا على أنها لم تظهر إلا بعد تمام الفتوحات، وبعد دخول الناس في الإسلام. من أجل ذلك قلنا إنها قد نمت وتطورت مع نمو الإسلام وانتشاره .

أما في عهد النبي فكان تعليم الدين الإسلامي شاملا للجميع، صبيانا ورجالا ونساء. وكان الغرض منه أن يحفظ الناس شيئا من القرآن، وأن يتعلموا ما يلزمهم في العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر الفرائض الإسلامية. واتبع المسلمون كافة السبل في الوصول إلى نشر دعوتهم فعملوا في دورهم، وفي المساجد، وفي كل مكان. ولم يفتهم الحث على تعلم الكتابة.

ولما انقضى هذا الدور الأول في نشر الدعوة بكافة الطرق، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكثر عدد المسلمين، وأصبحت غالبية السكان على الدين الإسلامي، انصرفوا عن نشر الدين إلى النظر في أمور المعاش وإلى تنظيم الدين وضمان العبادة الصحيحة. ويقتضي النظام الاجتماعي أن يكون البدء في تعليم الأجيال عن طريق تربية الأطفال حتى إذا شبوا أصبحوا مطبوعين بطابع الجيل الجديد.

وقد تطوع المسلمون الأوائل بالتعليم بدافع الروح الجديد. فلما انتشر الإسلام تعذر أن يقوم التعليم على التطوع، وظهرت صناعة التعليم، وتناول المعلمون الأجر، وأفتى الفقهاء بجواز ذلك.

وكان بعض المعلمين يقوم بمهمته في المساجد، ولكن عبث الصبيان الصغار الذين لا يتحفظون من النجاسة جعل الفقهاء يمنعون تعليم الصبيان في المسجد، فظهرت الكتاتيب منفصلة عن المساجد، وخاصة بتعليم الصبيان.

الفصل الخامس

| الدين والتعليم

(1) خضوع الحياة الاجتماعية للدين

كان الصراع بين المسيحية والوثنية حادا عنيفا منذ القرن الأول للميلاد، ولقي المسيحيون كثيرا من ألوان التعذيب والمحن إلى أن اعتنق الإمبراطور قسطنطين الديانة المسيحية وأصبحت الدين الرسمي للدولة. ومنذ القرن الرابع الميلادي وصروح الوثنية تنهار وتضيق دائرتها وينتشر الإيمان بالله خالق كل شيء في أوروبا وفي غرب آسيا وفي شمال إفريقية، وهي جملة العالم المعروف في ذلك الزمان. وبقيت جزيرة العرب يعبد أهلها الأوثان ويسجدون للأصنام، وظلت ربوع فارس تستضيء بهياكل النار.

وشهد العالم في مستهل القرن السابع ظاهرة جديدة شيعت وثنية العرب ومجوسية الفرس إلى الفناء الأخير، تلك الظاهرة هي الديانة الإسلامية بما حملت معها من هدم للآلهة المصنوعة وتوحيد لله الواحد القهار. ولكن الإسلام ببساطته وروحه العملي واتجاهه الواقعي كان سريع الانتشار ، فلم يمض زمن طويل حتى كانت أجزاء العالم المعروف تخضع للأديان الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية.

ولم يكن من السهل أن ينتقل الناس من عهد إلى عهد دون حاجة إلى ما يثبتهم في العهد الجديد، ويهدم العهد القديم. والانتقال من القديم إلى الجديد هو الثورة بعينها، تحمل بين طياتها معاول الهدم وبذور البناء. وفي النفس حنين فطري إلى الماضي الذي يمثل بنيان الحياة الأولى، وسلطان التقاليد هو سلطان الزمان. لهذا قضى الناس زمنا طويلا يلتفتون إلى الماضي، ويعودون إلى الذكريات الغابرة فيتمثلون الآلهة في أوثانها، فينهض المؤمنون لإخفات أصوات الملحدين وآراء الزنادقة الكافرين، واستعمل أهل الإيمان في حربهم سلاحين: لسان الحق يزهق الباطل ويشيد بآيات اليقين، ويقيم الحجة على المخالفين وأهل العناد، والسلاح الثاني سيف القوة يكمم الأفواه ويعذب الكافرين.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٣٠