تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كيف يتعلم الصبيان في فارس؟ أكانوا يذهبون إلى مدارس أو كتاتيب يتلقون فيها القراءة والكتابة ومبادئ العلوم حتى إذا فتح العرب بلاد الفرس وجدوا أمامهم هذه النظم فنقلوها عنهم، أم أن نظام الكتاتيب نظام إسلامي ابتكره المسلمون؟

كان الفرس أهل حضارة زاهرة يعلو مستواها بكثير عن الحضارة العربية. وكان العرب أهل بداوة لا نستطيع أن نصفهم بالحضارة. لذلك لما أخضع المسلمون الفرس والروم، اضطروا إلى اقتباس نظمهم في الإدارة والحضارة، فكانت الدواوين تكتب بالفارسية أو الرومية.

وظلت الدواوين تكتب بغير اللغة العربية إلى أيام هشام في الدولة الأموية. «وكان أكثر كتاب خرسان إذ ذاك مجوسا، وكانت الحسابات بالفارسية، فكتب يوسف بن عمر وكان يتقلد العراق في سنة أربع وعشرين ومائة إلى نسر بن سيار كتابا أنفذه مع رجل يعرف بسليمان الطيار يأمره ألا يستعين بأحد من أهل الشرك في أعماله وكتابته.»

7

ويتضح من هذه القصة أن صناعة الكتابة ظلت بالفارسية في يد الفرس حتى الصدر الأول من المائة الثانية.

وقد ظلت الدواوين بالفارسية حتى عصر عبد الملك بن مروان. عن الجهشياري: «ولم يزل بالكوفة والبصرة ديوانان أحدهما بالعربية لإحصاء الناس وأعطياتهم، وهذا الذي كان عمر قد رسمه، والآخر لوجوه الأموال بالفارسية. وكان بالشام مثل ذلك أحدهما بالرومية والآخر بالعربية. فجرى الأمر على ذلك إلى أيام عبد الملك بن مروان.»

8

وليس غريبا أن تظل الدواوين في أيدي كتبة الفرس باللغة الفارسية طول هذه المدة؛ لأن العرب كانوا يجهلون هذه النظم الإدارية لبداوتهم، ولا بد من فترة انتقال يتم فيها تعلم العرب هذه الصناعة، وتعريب الفرس. ثم نسأل: أكانت الكتابة عامة في جميع الفرس أم خاصة بطبقة معينة؟

الواضح من التاريخ أن نظام الطبقات كان شائعا في فارس: «وكان رسم ملوك الفرس أن يلبس أهل كل طبقة في خدمتهم لبسة لا يلبسها أحد ممن في غير تلك الطبقة، فإذا وصل الرجل إلى الملك عرفت بلبسته صناعته، والطبقة التي هو فيها.»

9

ويؤيد ما جاء عن شيوع نظام الطبقات ما نترجمه عن الأستاذ أكبر مظاهري

10

حيث قال: «ويتعلم الطفل مهنة أبيه إذ كان النظام الاجتماعي في إيران يقضي بتوزيع الناس في طوائف فهم يتوارثون المهن عن آبائهم.» وفي ذلك يقول الفردوسي: «لم يسمع أحد أن صانع أحذية أصبح كاتبا. فالطفل يتبع مهنة أبيه، فإذا كان زارعا فإنه يعلم ابنه الزراعة، أو صانعا فإنه يعلمه صنعته، أو كاتبا فإنه يعلمه الكتابة والخط، والكاهن يعلم ابنه المعارف المقدسة، والجندي يهيئ ابنه لمعيشة الحرب.»

11

أما أبناء الأشراف فيتلقون طائفة من المعارف على أيدي مرب أو اثنين ولا يذهبون إلى المدرسة الأولية التي تخصص لهم، وفيها يتعلمون العلوم المقدسة والآداب والموسيقى والرياضة البدنية واستعمال السيف.

وإذا كان هناك تمييز في التعليم المهني والاجتماعي، فالجميع متساوون في شيء واحد هو التعليم الديني.

12

ويتعلم الطفل مبادئ الدين عن أبيه. فإذا لم يتسن للأب أن يعلمه لضيق الوقت، فليرسله إلى أقرب معبد حيث توجد المدرسة، ليتعلم القواعد الدينية، والتاريخ المقدس، والتقويم، وأسماء الشهور والأيام، والأدعية، والواجبات الدينية.

وطريقة التعليم هي أسئلة وأجوبة، وإليك نماذج منها:

أيها الطفل من تكون؟ من أين جئنا وإلى أين نذهب؟ أتنتسب إلى يزدان أم إلى أهرمن؟ أإلى خالق خير أم شرير؟ ما الخير والشر؟ ... إلخ.

ويحفظ الطفل الإجابات عن هذه الأسئلة عن ظهر قلب، وتفسر هذه الإجابات شيئا فشيئا بعد الاطلاع على أسرار الدين.

وتعنى الأم بطفلها حتى سن الخامسة، فتعلمه الخير والشر،

13

ويهتم الإيراني اهتماما كبيرا بالتربية، لذلك يعلم ابنه آداب السلوك ويبث فيه بعض التعاليم الخلقية ليصبح رجلا شريفا. وحينما يكبر الطفل يعلمه حرفة. ولا يعلم الأب ابنه شيئا له غرض عملي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٢٦