والتعليم ظاهرة اجتماعية، يخضع - كغيره من الظواهر الاجتماعية - لقوانين الحياة من النمو والازدهار، والتراجع والموت.
ولم تنشأ الكتاتيب منذ ظهور الإسلام؛ فالمعروف أن بلاد العرب في عهد النبي لم يكن فيها تعليم منتظم، والمشهور أن العرب أميون. ولو أن هناك أخبارا تدل على غير ذلك.
والجديد في الكتاب هو صيغته الديمقراطية التي يسرت للصبيان قاطبة قسطا من التعليم. وهو بهذه الصورة لم يكن معروفا منذ ظهور الإسلام. لذلك نعود إلى الوراء لنرى متى وكيف بدأ انتشار التعليم في الكتاتيب على الصورة المذكورة عند القابسي. عن ابن حزم:
1 «مات رسول الله والإسلام قد انتشر وظهر في جميع جزيرة العرب من منقطع البحر المعروف ببحر القلزم مارا إلى سواحل اليمن كلها إلى بحر فارس إلى منقطعه، مارا إلى الفرات ثم على ضفة الفرات إلى منقطع الشام إلى بحر القلزم. وفي هذه الجزيرة من المدن والقرى ما لا يعرف عدده إلا الله كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طي وريبة وقضاعة والطائف ومكة. كلهم قد أسلم وبنوا المساجد، ليس منها مدينة ولا قرية ولا حلة لأعراب إلا قد قرئ فيها القرآن في الصلوات وعلمه الصبيان والرجال والنساء وكتب.»
2
ثم قال بعد قليل: «ثم مات أبو بكر وولي عمر ففتحت بلاد الفرس طولا وعرضا، وفتحت الشام كلها والجزيرة ومصر كلها، ولم يبق بلد إلا وبنيت فيه المساجد، ونسخت فيه المصاحف وقرأ الأئمة القرآن، وعلمه البيان في المكاتب شرقا وغربا.»
3
في تاج العروس قصة يتضح منها أن الكتاب كان موجودا في زمن عمر بن الخطاب، قال في صدد كلمة أبجد: «ويذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي أعرابيا فقال له: هل تحسن أن تقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: فاقرأ أم القرآن. قال: والله ما أحسن البنات فكيف الأم؟ قال: فضربه. ثم أسلمه إلى الكتاب، فمكث فيه، ثم هرب وأنشأ يقول:
أتيت مهاجرين فعلموني
ثلاثة أسطر متتابعات
كتاب الله في رق صحيح
وآيات القرآن مفصلات
فخطوا لي أبا جاد وقالوا
تعلم صعفصا وقريشات
وما أنا والكتابة والتهجي
وما حظ البنين من البنات
ونستدل من كلام ابن حزم ومن القصة السابقة على أن ظهور الكتاتيب أو المكاتب ليتعلم فيها الصبيان كان في عصر الفتوحات الإسلامية العظيمة، وهي الفرس والشام ومصر وجزيرة العرب كلها. أما قبل ذلك فقد كان الإسلام لا يزال يجاهد في نشر العقيدة في جزيرة العرب التي كان مركزها مكة ثم المدينة. على حين كان الفرس على حضارة تخالف الحضارة الإسلامية، وأهل الشام ومصر يتبعون الحضارة الرومانية.
فماذا كان حال التعليم في بلاد العرب وفي الفرس وفي الشام ومصر؟
أما في داخل بلاد العرب فكانت معرفة الكتابة قليلة جدا. عن البلاذري في (فتوح البلدان): «دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ...»
4
وعن البلاذري أيضا: «كان الكتاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلا وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون.»
5
وذكر ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) قول أبي بن كعب: «لقد قرأت القرآن وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب.»
6
كل هذا يدل على أن من يعرف الكتابة من العرب كان بضعة نفر. ثم إن النبي كان أميا لا يعرف الكتابة. والثابت في كتب السيرة أن النبي افتدى أسرى بدر، فمن لم يكن له فداء أمره أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين الكتابة. وفي هذا العمل إيحاء للمسلمين يبين اتجاه النبي إلى محبة التعليم ونشره.
ونخلص من هذا إلى أن الإسلام حين ظهر في عهد النبي، لم تكن في بلاد العرب كتاتيب منتشرة، يذهب إليها الصبيان. وأن الذين عرفوا القراءة والكتابة هم بضعة نفر من الطبقة الرفيعة، تعلموا الكتابة بحكم صلتهم بغيرهم من الدول المجاورة كالفرس والروم، ولحاجتهم إليها في التجارة. وذلك في مكاتب معظم الروايات تدل أنها كانت لليهود. (1) المدارس في فارس