تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونستنتج من هذا أن التعليم في فارس كان مقصورا على طبقة معينة هي طبقة الكتاب والأشراف، أما عامة الشعب من زراع وصناع فعنايتهم بالمهنة. أما التعليم الديني العام، فلم يكن الغرض منه التعليم لذاته، أو معرفة القراءة والكتابة، بل تلقين أسرار الدين الفارسية، وهي ديانة ثنوية تخضع العالم لإلهين أحدهما للخير والثاني للشر. وكان الأطفال يتلقون هذه المبادئ في داخل المعابد، ولم تكن هناك مدارس منفصلة عنها. ولم يكن الأطفال يتلقون مبادئ القراءة والكتابة؛ لأنها مخصوصة بطبقة الكتاب.

لهذا لم تعرف الفرس نظام الكتاتيب. لأن الكتاب في الإسلام مكان يتعلم فيه الصبيان الكتابة والقراءة إلى جانب القرآن الكريم، على حين كانت الكتابة صناعة خاصة بطبقة معينة عند الفرس. والمدارس الدينية مختلفة في نوعها عن الكتاتيب لأنها ملحقة بالمعابد، وأساس التعليم فيها هو معرفة الطقوس الدينية ومزاولتها. (2) المدارس في الشام ومصر

وننظر الآن إلى البلاد التي كانت خاضعة للروم وهي الشام ومصر لنرى أكان فيها نظام لتعليم الصبيان يشبه الكتاتيب. ونقصد بهذا النظام أنه عام لجميع أفراد الشعب، وأنه منفصل عن المساجد، وأن الصبيان كانوا يتعلمون فيه القراءة والكتابة.

في الوقت الذي فتح فيه العرب هذه البلاد، كانت الحضارة السائدة فيها مضطربة منقسمة على نفسها، خاضعة لتيارات مختلفة متعارضة. فإلى جانب حضارتي الرومان واليونان الوثنيتين، جاهدت المسيحية للقضاء عليهما، ومع ذلك احتفظت المسيحية بكثير من تراث الرومان والإغريق.

ولما تدهورت الدولة الرومانية الغربية وعاصمتها روما، غزا الجرمان روما، ولم تكن قبائل الجرمان على شيء من الحضارة. فهدموا المدن، وذوت الحضارة وعفت آثارها، وأصبحت الكتب نادرة، وتم التدهور تدريجيا، حتى إذا كان القرن السادس الميلادي انعدمت الثقافة وقبرت المدارس الرومانية. وكانت الحاجة ماسة إلى قوم مثقفين للقيام بشئون الحكومة، فصالت الكنيسة وحدها في الميدان وقامت بالتعليم، ولكنها قصرته على مقدار حاجتها منه.

14

ومن أبرز أسباب سقوط الحضارة الرومانية الترف الذي ساد الحاكمين بعدما أصابوا من أسلاب الدول المغلوبة على أمرها، لذلك انصرفوا إلى الملاذ والاستمتاع بمباهج الدنيا. وركنوا إلى حياة الكسل والترف. ومن قبل ذلك قضى الرومان على الحضارة الإغريقية بالسيف، وانتقلت الثقافة اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية في القرنين الأول والثاني للميلاد، وظلت زاهرة زمنا، ثم تدهورت لما أصاب العالم من انحطاط.

ووجد الناس في المسيحية الدين الذي يلتئم مع نزعات النفس الجديدة، فهو دين يدعو إلى تطهير النفوس من الأدران، وإلى الزهد في الحياة المادية التي سئمها الناس.

ولكن المسيحية لما انتشرت أولا في الشرق، ثم في آسيا الصغرى والإسكندرية وأثينا، اصطدم رجالها بعقول أهل الفلسفة الإغريقية الذين لا يقنعهم الإيمان المسيحي فحسب، وإنما يريدون أن يفهموا الديانة فهما عقليا منظما كما يفهمون النظم الفلسفية. من أجل ذلك اضطر القساوسة المسيحيون إلى التسلح بالأدلة العقلية العميقة للرد على انتقادات هؤلاء القوم، وهذا هو السبب في نشأة مدرسة الإسكندرية وغيرها للبحث في أساس الديانة المسيحية.

15

وفي أيام المسيحية الأولى انصرف المسيحيون إلى تطهير أنفسهم من أدران العالم المليء بالشرور، ولم يتصلوا بالحكومة على أي وجه، كما لم يكن بين الكنيسة والدولة صلة. فلما قوي نفوذ الكنيسة وأصبحت دولة داخل الدولة، برز فيها رجال عرفوا بالدهاء السياسي فجعلوا للكنيسة نفوذا مدنيا إلى جانب النفوذ الديني.

ولم تعجب هذه السياسة كثيرا من المسيحيين الزاهدين في النظر إلى الأمور الدنيوية والاتصال بالعالم المملوء بالآثام والشرور. فانصرفوا إلى الصحراء والجبال والغابات، واتخذوا من الكهوف والمغاور مأوى يحميهم من رذائل الناس. وتتلخص مبادئهم في المعيشة الأخوية، والزهد عن العالم والفقر والعفة والطاعة وشغل البدن بأشق الأعمال حتى تصفو الروح وتسمو. ويعيش الأعضاء في خلوة فلا يجتمعون إلا عند تناول الطعام والدعاء.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٢٧