24
ويبدو لنا أن وصف ابن العربي حال التعليم في المشرق بعيد عن الواقع، إذا كان من الضروري تعلم قدر من القرآن تصح به الصلاة، ويجوز أن يحمل كلام ابن العربي على من يريد حفظ القرآن كله، وليس موضوعنا، فقد أجمع كل من كتب عن التعليم على أن القرآن هو الأصل الذي يبدأ الصبيان بتعلمه، كما ذكرنا عن ابن خلدون. وذكر ابن حزم ما نصه: «مات رسول الله والإسلام قد انتشر وظهر في جميع جزيرة العرب من منقطع البحر المعروف ببحر القلزم مارا إلى سواحل اليمن كلها إلى بحر فارس إلى منقطعه مارا إلى الفرات، ثم على ضفة الفرات إلى منقطع الشام إلى بحر القلزم، وفي هذه الجزيرة من المدن والقرى ما لا يعرف عدده إلا الله كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طي، وريبة وقضاعة والطائف ومكة، كلهم قد أسلم وبنوا المساجد، ليس منها مدينة ولا تربة ولا حلة لأعراب إلا قد قرئ فيها القرآن في الصلوات وعلمه الصبيان والرجال والنساء وكتب.»
25
من هذا يتضح لنا أن تعليم القرآن في المشرق كان هو المبدوء به؛ لنفعه في الصلاة مع ما كان يصحبه من تعلم الكتابة.
أما الطريقة التي أرادها ابن العربي فهي طريقة مثالية وليست واقعية.
وشبيه بهذا ما أثر عن بعض رجال الفكر وقادة العرب في طريقة تعليم أبنائهم. قال الحجاج لمعلم ولده: «علم ولدي السباحة قبل الكتابة.»
26
وعن عمر بن الخطاب: «علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا، ورووهم ما يجمل من الشعر.»
27
وقال ابن التوأم: «علم ابنك الحساب قبل الكتاب، فإن الحساب أكسب من الكتاب، ومئونة تعلمه أيسر، ووجوه منافعه أكثر ... وفي ما يجب على الآباء من حفظ الأبناء، أن يعلمه الكتاب والحساب والسباحة.»
28
فهذه كلها وصايا خاصة تفصح عن مزاج أصحابها، ولكنها لا تدل على شيوع هذه المبادئ. ولم يكن معلم الكتاب هو المخصوص بتعليم الرماية والسباحة، ولا يتعلم الصبي الرماية في سن السادسة أو السابعة فسنه أصغر من تعلم هذه الصناعة. ولم يكن صبيان العامة يؤخذون بتعلم مثل هذه الأمور، وإنما هي نوع من الترف في التعليم لا يتلقاه إلا أبناء الخاصة على أيدي معلمين ومدربين خاصين بذلك.
والنتيجة التي ننتهي إليها هي أن الطريقة المذكورة في رسالة القابسي تصف التعليم في شمال إفريقية. وأبرز ما في هذه الطريقة البدء بتعليم القرآن واتباع أشهر المقرئين في حفظه والعناية بالخط والهجاء، ويصحب ذلك بعض النحو والعربية. أما الحساب وهو من المواد المهمة اللازمة للكسب والعمران، فلم تكن العناية بدرسه ضرورية، إن لم يكن مهملا.
وقد اتضح لنا من كلام ابن خلدون أنه أثبت اختلاف طريقة التعليم في الأقطار المختلفة، ويشبه ما ذكره عن التعليم في إفريقية والمغرب ما نص عليه القابسي.
وإذا كان القابسي قد وصف طريقة التعليم بما جرى به العرف في بلاده ، فالغالب أن بقية الأبحاث المتعلقة بالتعليم والتربية، هي التي كانت متبعة في موطنه. وإذا رجعنا إلى نص المخطوط وجدنا أنه كثيرا ما يحكم بما اشتهر بين الناس، وبما جرى به العرف. وهو يقصد من العرف ما جرى عليه الناس في بلاده.
لكل هذا نقول: إن التعليم الذي وصفه القابسي إقليمي وليس عاما.
الفصل الرابع
| الكتاتيب في الإسلام
نريد أن نقصر الكلام على التعليم الأولي أو التعليم في الكتاب، ولا شأن لنا بأنواع التعليم الأخرى؛ لأن المؤلف لم يتناولها بالبحث. ولم يكن القابسي مشرعا في هذا الفن، بل مؤرخا وصف ما انتهى إليه حال تعليم الصبيان في عصره، من قعود معلم في الكتاب يذهب إليه الصبيان فيحفظون عليه القرآن، ويتعلمون القراءة والكتابة وبعض النحو والعربية والحساب. وكان الحال كذلك في القرن الثالث الهجري كما وصف ابن سحنون في كتابه، وهو الكتاب الذي اعتمد عليه القابسي كثيرا.