تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وغيرهم. والمعروف أن هؤلاء المعلمين كانوا يتناولون الأجر على صناعتهم.

أما الخلاف فيقع في طريقة التعليم، أو في المنهج الذي يدرسه الصبيان، وفي ترتيب العلوم التي يبدءون بتعلمها.

وقد يقع الخلاف أيضا في سياسة الصبيان وعقابهم، وفي أمور فرعية تتصل بوقت الدراسة والبطالة وأشباه ذلك من الأمور الخاصة بالتعليم. ولكن الكتب التي عالجت مثل هذه المواضيع لم تشمل كثيرا من التفاصيل.

عن ابن خلدون

19 (1)

أما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله.

20

واختلاف حملة القرآن فيه،

21

ولا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه ... (2)

أما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو، وهذا هو الذي يراعونه في التعليم، إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك، وأسه، ومنبع الدين والعلوم، جعلوه أصلا في التعليم، فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم الولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتابة. ولا تختص عنايتهم بالقرآن دون غيره، بل عنايتهم بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة. (3)

وأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب ...

إلا أن أكثر عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءته مما سواه، وعنايتهم بالخط تبع لذلك. (4)

وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما يبلغنا، ولا أدري بم عنايتهم منها، والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشبيبة، ولا يخلطونه بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراد كما تتعلم سائر الصنائع، ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان.

ونخلص من هذا إلى أن جميع الأقطار تبدأ بتعليم القرآن، ثم أهل المغرب يقتصرون عليه، ويخلط أهل إفريقية القرآن بالحديث والخط، ويهتم أهل الأندلس مع القرآن بعلوم العربية والخط، ويخلط أهل المشرق أيضا في التعليم فيضيفون إلى القرآن بعض العلوم، ولا يهتمون بالخط في الكتاتيب.

أما أبو بكر ابن العربي

فلا يصف طريقة التعليم المتبعة، ولكنه يذكر ما يرى أنه الواجب، وقد لخص ابن خلدون رأيه فقال: «وقد ذهب القاضي أبو بكر ابن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وأبدأ، وقد قدم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس ... ثم ينتقل منه إلى الحساب ... ثم ينتقل إلى درس القرآن ... ثم قال: «ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره يقرأ ما لا يفهم».»

22

وفي تعليق ابن خلدون على كلام ابن العربي ما يدل على أن هذه الطريقة غير متبعة، قال: «وهو لعمري مذهب حسن، إلا أن العوائد لا تساعد عليه.»

قال ابن العربي في كتاب (القواصم والعواصم) يصف التعليم بالأندلس: «فصار الصبي عندهم إذا عقل، فإن سلكوا به أمثل طريقة لهم علموه كتاب الله، فإذا حذقه نقلوه إلى الأدب، فإذا نهض منه حفظوه الموطأ، فإذا لقنه نقلوه إلى المدونة ...»

23

وعن أبي بكر ابن العربي يصف التعليم بالمشرق. «وللقوم في التعليم سيرة بديعة؛ وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب، فإذا عبر المكتب أخذوه يتعلم الخط والحساب والعربية. فإذا حذقه كله أو حذق منه ما قدر له خرج إلى المقرئ فلقنه كتاب الله فحفظ منه كل يوم ربع حزب أو نصفه أو حزبا، حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء الله من تعليم أو تركه.»

ومنهم - وهم الأكثر - من يؤخر حفظ القرآن ويتعلم الفقه والحديث وما شاء الله. فربما كان إماما وهو لا يحفظه. وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن وما رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين، ذلك لتعلموا أن المقصود حدوده لا حروفه.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٢٣