تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد روي عن كثير من النجباء أنهم ختموا القرآن في العاشرة. قال ابن عباس: «توفي رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم.» 25-ب. وذكر ابن سينا يقص سيرة حياته: «ثم انتقلنا إلى بخارى وأحضرت معلم القرآن ومعلم الأدب وأكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضي مني العجب.»

7

ولا نأخذ النابغين مقياسا في الحكم على العامة وأوساط الناس. فإذا قدرنا أن الممتاز النابه يحفظ القرآن في العاشرة، فإن المتوسط العادي يحفظه في الثانية عشرة. وأما المتأخرون فإنهم يحتاجون إلى زمن أطول، وهذا هو السر في تخلف بعض الصبيان عن الكتاتيب حتى سن الاحتلام.

ولم يكن حفظ القرآن جميعه واجبا على كل الصبيان، بل جرى العرف أن من أحب استظهار القرآن كله بقي مع المعلم، ومن أحب أن يترك الكتاب قبل استكمال جميع القرآن، فله الحرية. عن القابسي: «وأما الصبي علم حتى تدانى من الختمة فأراد الخروج من عند المعلم إلى معلم آخر أو إلى صنعة أو إلى ما أحب الانتقال.» 32-أ.

لهذا نستطيع أن نقول: إن الصبي - في الأرجح - كان يبقى في الكتاب في سن الثانية عشرة أو ما دون ذلك.

فإذا اعتبرنا سن الالتحاق بالكتاب في المتوسط هي السادسة، وسن الخروج هي الحادية عشرة، فإن هذه المرحلة من التعليم كانت تشغل خمس سنوات. (3) مراحل التعليم

تعليم الصبي أول مرحلة من مراحل التعليم. وقد اقتصر القابسي على بحث هذه المرحلة، ولم يتعرض لما بعدها. ولم تأت إشارة كذلك إلى تعليم الصبي دون السادسة؛ لأن هذا اللون من التعليم، الذي أنشئت له مدارس الحضانة ورياض الأطفال، لم يلق عناية علماء النفس والتربية إلا في العصر الحديث.

وقد تصدى المؤلف للنواحي المختلفة في تعليم الصبيان، فتعرض لأغراض التعليم والمناهج والعقاب وطرق التدريس، وأحكام خاصة بالمعلم، وبمكان التعليم وهو المعروف بالكتاب.

ومرحلة تعليم الصبيان من المراحل الثابتة في حضارات الأمم، يشاد عليها بنيان الثقافة في الأمة فيما بعد. وتتغير اتجاهات التعليم التي يتلقاها الشباب والذين فاتوا دور الشباب، ويظل تعليم الصبيان هو الدعامة الثابتة التي لا تتحول والأساس الذي لا يتعدل.

ونبسط في إيجاز مراحل التعليم عند المسلمين، ليتضح لنا مصائر الصبيان، بعد الانتهاء من الكتاب.

وقد تغيرت هذه المراحل مع تغير الحضارة الإسلامية، واختلاف العصور، وتقدم الدول وتأخرها، وتباين الجهات. ونذكر هذه المراحل إجمالا، لنشهد البناء الكامل، الذي يعتبر تعليم الصبيان فيه اللبنة الأولى.

في ضحى الإسلام: «أن التعليم كان مرحلة تبتدئ بالكتاب أو بالمعلمين الخاصين، وتنتهي بأن تكون حلقة بالمسجد.»

8

قال مصعب: «كان لمالك حلقة في حياة نافع أكبر من حلقة نافع.»

9

وكان التعليم أحيانا في مجالس خاصة بدلا من حلقات المساجد. جاء في ترجمة مالك أيضا: «وكان كالسلطان له حاجب يأذن عليه. فإذا اجتمع الناس ببابه، أمر فدعاهم فحضر أولا أصحابه فإذا فرغ من يحضر، أذن للعامة، وهذا هو المشهور من سماع أصحاب مالك.»

10

ومن الشائع عند المسلمين أيضا الرحلة في طلب العلم. وفضل الارتحال أن العالم يطوف بدول كثيرة، فيشاهد أحوال الشعوب، وتقاليد الناس وعاداتهم، واختلاف طبائعهم، ثم يتصل بشيوخ بأعيانهم يأخذ عنهم ويتلقى العلم عليهم، مما يؤدي إلى كثرة الاطلاع، ووفرة الثقافة، واتساع دائرة الفكر، وأفق الذهن.

وقد رأينا في ترجمة القابسي أنه رحل فحج وسمع من علماء كثيرين.

وفي ترجمة النسائي صاحب السنن أنه: «طوف وسمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام والجزيرة.»

11

وفي ترجمة سحنون أنه «رحل في طلب العلم في حياة مالك وهو ابن ثماني عشرة سنة.»

12

ثم تطور التعليم من حلقات المساجد، إلى مدارس منظمة، حبست عليها الأوقاف لضمان حياتها. وبدأ ذلك التطور في القرن الرابع الهجري في زمن الفاطميين، وازدهرت المدارس في عصر الدولة الأيوبية والمماليك، ثم تدهورت بعد ذلك.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٩