قال ابن جبير في معرض الحديث عن مصر: «ومن مناقب هذا البلد، ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه (يقصد صلاح الدين): المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد.»
13
وكانت كتب العلم الجليلة الشأن توقف على هذه المدارس ليستفيد منها الطلاب والمدرسون. جاء في صدر مخطوط فيه تلخيص كتب أرسطوطاليس لابن رشد الفيلسوف ما يأتي: «وقف وحبس وسبل وتصدق العبد الفقير صرغتمش ... على المشتغلين بالعلم الشريف، وعلى المقيمين بالمدرسة الحنفية المجاورة لجامع ابن طولون.»
14
ويرى الأستاذ خليل طوطح أن التعليم يمر في المراحل الآتية: (1)
المكتب أو الكتاب. (2)
الجامع. (3)
مجلس العلم أو مجلس الأدب. (4)
المدرسة أو الكلية.
15 (4) تصوير حالة التعليم
يخرج المرء من قراءة كتاب القابسي بصورة واضحة عن حالة تعليم الصبيان في القرن الرابع الهجري أو العاشر الميلادي.
وهي صورة واضحة، وتعتبر كثيرة الجلاء بالنسبة لما كتبه غير القابسي من المؤلفين في هذا الموضوع؛ لأنه أسهب حين أوجزوا، وذكر ما لم يذكروا، وجمع شئون تعليم الصبيان في كتاب واحد.
يبعث الصبي إلى الكتاب إذا عقل. هذه الكتاتيب منتشرة في أنحاء المدن والقرى، قد تكون إلى جوار المساجد، وقد تكون بعيدة عنها، ولا تكون بداخلها على أي حال.
ويقوم بالتعليم في هذا الكتاب معلم، هو الذي يستأجر الكتاب، ويتخذه مكانا للتعليم. وقد يشترك معلمان أو أكثر في التعليم بالكتاب إذا كان عدد الصبيان كثيرا، ولكن الغالب أنه معلم واحد. وليس للحاكم سلطان على هذه الكتاتيب، فهو لا ينشئها، ولا يشرف على سير التعليم فيها، ولا شأن له بها. وإنما يفتتح المعلمون الكتاتيب من تلقاء أنفسهم، ويدفع إليهم الآباء بأبنائهم حسب رغبتهم، ويتلقى الصبيان التعليم في نظير أجر يدفعونه إلى المعلم، قد يكون مشاهرة،
16
وقد يكون مساناة،
17
وقد يكون بمقدار ما تعلم الصبي.
وليس الكتاب دارا كبيرة فيها فصول كثيرة كما هي الحال في المدرسة الأولية المعروفة الآن، وإنما هو مكان متواضع، يتسع لهذا العدد من الصبيان الذين يشرف عليهم معلم واحد، قد يكون حانوتا، وقد يكون بضع حجرات في منزل.
ويذهب الصبي مبكرا إلى الكتاب، فيبدأ بحفظ القرآن، ثم يتعلم الكتابة، وعند الظهر يعود إلى المنزل لتناول الغداء، ثم يرجع بعد الظهر ويظل حتى آخر النهار.
وبطالة الصبيان من بعد ظهر يوم الخميس، وسحابة يوم الجمعة، ثم يعودون صباح السبت.
يتعلم الصبي مدة دراسته التي قد تستمر إلى وقت البلوغ أو بعده بقليل، القرآن والكتابة والنحو والعربية. وقد يتعلم الحساب والشعر وأخبار العرب. على أن أهم ما يدرس الصبي هو حفظ القرآن على الطريقة الفردية أو الجمعية؛ إذ يبدأ المعلم أو العريف بآية يرددها الصبيان من بعده. ولكل صبي لوح يكتب فيه، يثبت فيه ما يريد أن يحفظه، ثم يمحوه ليكتب شيئا جديدا، ولم يكن من اللازم أن يحفظ الصبي القرآن كله، إلا إذا كانت تلك رغبة أبيه.
فإذا أخطأ الصبي في الكتابة والهجاء والحفظ، أو أهمل أو انصرف إلى اللعب والعبث دون الدرس والعلم، أو هرب من الكتاب، عاقبه المعلم بالنصح تارة، والعزل والتهديد مرة أخرى، والضرب تارة ثالثة إن لم تفلح النصائح ولم يجد التهديد.
وإذا أتم الصبي مرحلة التعليم في الكتاب، جاز امتحانا فيما حفظ من القرآن وفي الكتابة. واختبار حفظ القرآن كله يعرف بالختمة. وعندئذ إما أن ينقطع عن التعليم ويتجه إلى الصناعة التي يريد أن يزاولها لكسب المعاش، وإما أن ينصرف إلى مرحلة أخرى من التعليم أرقى من التعليم في الكتاب.
هذه هي الصورة التي ندركها من الاطلاع على كتاب القابسي على وجه الإيجاز، وأركان هذه الصورة التي تتركب منها أربعة: هي الكتاب والمعلم والصبي والقرآن. هذه العمد الأربعة هي الأساس الذي يقوم عليه التعليم الأولي كما وصفه القابسي. وعلينا أن نبحث بعد ذلك أهذه الصورة مستمدة من الواقع أم يصف فيها ما ينبغي أن يكون، ثم نتبين إذا كان هذا النوع من التعليم إقليميا أم عاما. (5) صورة واقعية أم مثالية