تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا كان لابن سحنون فضل الصدارة في تحرير كتاب خاص في تعليم الصبيان، فللقابسي مزية التوسع في هذا الموضوع، والإفاضة في أبوابه المختلفة، والترتيب الذي يدل على استقرار فكرة التعليم في الذهن والعمل على بيان السبل المختلفة المؤدية إلى تحقيق الغاية المنشودة منه. فالقابسي يسجل في كتابه أحوال تعليم الصبيان في القرن الرابع، وابن سحنون يدون هذه الأحوال في القرن الثالث. (2) مرحلة تعليم الصبيان

يختص كتاب القابسي بالبحث في شئون التعليم المتعلقة بالصبيان فقط. ويتعرض كذلك للمكان الذي يتلقون فيه العلم وهو الكتاب. ولو أن المؤلف جعل عنوانه «الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين من الصبيان» لكان ذلك منه فضلا في الإيضاح والبيان.

وللصبي سن يبدأ عندها في دخول الكتاب، وسن ينتهي بعدها من التعلم في ذلك المكان. ولكن القابسي لم يحدد سن الدخول، أو عدد السنين التي يقضيها الصبي، وهي مدة الدراسة في الكتاب. ونستطيع مع ذلك أن نتلمس زمن ابتداء التعليم ووقت انتهائه فيما يختص بالصبيان من ثنايا ما كتبه.

يقول الدكتور إبراهيم سلامة: «إن الطفل بعد أن يتلقى التعليم في المنزل يذهب إلى الكتاب في السابعة من عمره. والحديث المتبع عند المسلمين: «علموا أولادكم الصلاة إذا كانوا بني سبع، واضربوهم عليها إذا كانوا بني عشر.» ثم ذكر في الهامش ما يأتي: «كان هذا هو الأغلب، وهناك حالات كان الأطفال يدفعون إلى المعلمين في سن الخامسة والسادسة - انظر طبقات الأطباء، الجزء الثاني، ص99، والتبر للسخاوي، ص242.»

ويقول القابسي: «وينبغي للمعلم أن يأمرهم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين ويضربهم إذا كانوا بني عشر. وكذلك قال مالك.» 43-ب.

ونص الحديث كما أخرجه أبو داود: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر.» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

ولا يستنتج من ضرب الأولاد على الصلاة إذا كانوا بني سبع سنين، أن سن التعليم تبدأ منذ ذلك الوقت، وأن يرجح الباحث هذه السن دون غيرها.

والواقع أنه لم يكن هناك سن معينة يبدأ عندها الطفل في تلقي العلم، وإنما كان الأمر متروكا لتقدير آباء الصبيان، فإذا وجدوا أن الطفل بدأ في التمييز والإدراك، دفعوا به إلى الكتاب. عن أبي بكر ابن العربي قال: «وللقوم في التعليم سيرة بديعة وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب.»

5

ونحن نرجح أن هذه السن لم تكن محددة، وإنما كانت تشمل مرحلة بين الخامسة والسابعة، تبعا لاختلاف نضج الصبيان وتقدمهم في الفهم والتمييز. جاء عن القابسي: «سئل مالك عن تعليم الصبيان في المسجد، فقال: لا أرى ذلك يجوز؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة.» وفي موضع آخر: «وإن كان صغيرا لا يقر فيه ويعبث، فلا أحب ذلك.» 67-ب.

فالطفل الذي لا يتحفظ من النجاسة ولا يستطيع الاستقرار، وهو طفل دون السابعة في الغالب.

ويذكر الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب رأيه، دون النص على المراجع التي اهتدى بها في تقرير هذا الرأي، قال: «إذا بلغ الصبي الخامسة أو السادسة من العمر ساقه أبوه إلى الكتاب.»

6

أما السن التي ينتهي عندها تعلم الصبي في الكتاب، فلم تذكر صراحة كذلك، على أنه جاء أن المعلم ينبغي أن يحذر من الصبيان إذا بلغوا الاحتلام. 56-أ. و«إنه لينبغي للمعلم أن يحترس بعضهم من بعض إذا كان فيهم من يخشى فساده، يناهز الاحتلام، أو تكون له جرأة.» 57-أ.

والشرط السابق يدل على أن أغلبية الصبيان لا يصلون إلى مرحلة البلوغ، وأن بعضهم فقط هم الذين كانوا يظلون في الكتاب حتى سن الاحتلام. وهذه السن تتراوح عند الذكور بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة.

على أن أكثر الصبيان لم يكونوا يمكثون في الكتاب حتى سن الاحتلام. وسبب ذلك أن أهم ما كان يعلم هو حفظ القرآن. فإذا بدأ الصبي تعلمه في سن السادسة مثلا فإنه يحتاج إلى أربع سنوات أو خمس ليتم حفظ القرآن، وهو المعروف بالختمة.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٨