وقال ابن حبيب: الحذقة على الحفظ لازمة لأبيه، إلا أن يكون أبوه اشترط على المعلم ألا حذقة عليه سوى إخراجه، فيسقطها الشرط عنه، فأما إذا سكتا [78-أ] عنهما، فهي تجب كما فسرت لك، اشترطها المعلم أو لم يشترطها؛ وإنما يختلف الحكم في اشتراطها أو غير اشتراطها، إذا أراد الرجل أن يخرج ولده قبل الحذقة. فإنه إذا اشترطها المعلم، مثل أن يقول: أعلمه على درهم في كل شهر، أو في كل شهرين، وعلى أن لي في الحذقة كذا وكذا، كان للأب أن يخرجه إن شاء، وكان عليه من الحذقة على قدر ما قرأ منها، ولو لم يقرأ منها إلا الثلث أو الربع، كان عليه منها بحساب ذلك، لاشتراطه فيها ما سمي مع خراجه؛ ولو كان شارطه على أن يحذقه ولو كذا وكذا، لم يكن لأب الغلام أن يخرجه حتى يتم حذقته.
قال أبو الحسن: ففرق في وصف هذا بين ما جمع الشرط فيه بشرط الحذقة وتسمية الجعل عليها، أو المخارجة في كل شهر وبين شهر الحذقة [78-ب] وتسمية الجعل عليها. ولم يكن مع ذلك خراج مشاهرة فيما إذا أراد أبو الصبي إخراجه قبل تمام الحذقة، ولم يذكر حجة لتفرقته، ولم يكن لمن شرط وسمى لها جعلا وزاد مع الجعل درهما في كل شهر، إلى أن يتم الحذقة أن يخرج ابنه قبل تمامها، ويسقط للمعلم بقية شرطه مما سمي له من الجعل في جميع الحذقة، وهو لو لم يسم الخراج في كل شهر لمنع أبو الصبي أن يخرجه قبل تمام الحذقة؛ لأن العقد قد أوجب على المعلم قبل تمام الحذقة، وأوجب على أبي الصبي الجعل المسمى، فليس له أن ينقصه منه بإخراجه ابنه قبل التمام. فإن كان زيادة الخراج في المشاهرة بشرط إلزام شرط الحذقة رجع ذلك إلى حكم من لم يشترط الحذقة. فهذا الذي أردت بيانه إذ جعل على أبي الصبي حصة من جعل الحذقة ، إذا أخرجه قبل [79-أ] تمامها، وهو صواب من القول. فلم جعل لمن يشترط الحذقة فأخرج ابنه قبل مقاربتها، أنه لا يغرم شيئا من جعل الحذقة؟ فإن قيل لأنها لم تشترط، ولم يسم لها جعلا مسمى، قلت: فإذا كمل هذا الختمة، ولم تكن اشترطت، ولا سمي لها جعل، وقد كان يؤدي مشاهرة أو مساناة خراجا فلم جعل عليه حق الختمة وهو لم يسم ولم يشترط؟ ولم يكتفيا من ذلك بما كان يؤدى من المشاهرة؟ فإن قيل: لأن العادة قد جرت في الناس بأداء الختمة إذا كملت وتجعل بالاجتهاد على قدر أحوال أبي الصبي، وقدر ما انتهى إليه حذق الصبي من معرفة ما حفظ، قيل
75
فهذا الذي يوجبه الحكم، ولا كراهية فيه، ولا إباء منه، مقامه ومقام شرط التسمية سواء. إذا أخرج الصبي أبوه قبل تمام الختمة، يجب عليه ما يوجبه الاجتهاد في الختمة، لو كانت حصته بقدر ما تعلم من الختمة، كما يجب في التسمية التي له أن يخرج إليه قبل تمامها. [79-ب] هذا وجه القياس فيما عندي والله أعلم. وكذلك قول ابن حبيب أيضا: ولا يجوز للمعلم إذا اشترط الحذقة مع الخراج إلا أن يسمي لها شيئا معلوما. فأما أن يقول أعلمه كل شهر بدرهم، على أن الحذقة لي واجبة، وسكت عن تسميتها، فلا يجوز ذلك إذا اشترطها، فلا بد لها من تسمية. قال أبو الحسن: هو يجعل لأبي الصبي في هذه المسألة يخرجه متى شاء قبل الختمة، كأنه لم يلتزم الحذقة، ثم يمنع من أن يشترط حتى يسمى لها جعل مسمى. وإذا كان لأبي الصبي أن يسقط ما سمى له جعلا من هذا، لم لم يكن إدخال هذا الشرط فيها من التغرير بالمعلم؟ وإذا جاز هذا بالغرر
76
الذي فيه لم لم يجز، إذا لم يسم الخراج، ما هو حتى يبينه الاجتهاد فيه، عند الحاجة إليه: التغرير فيهما واحد [80-أ] والله أعلم. واعلم أني ما ذهبت إلى أن يجعل للمعلم حصة مما يوجب الاجتهاد في الختمة إذا كملت، إذا أخرج الصبي أبوه، ولم يستكملها وقد تعلم منها شيئا؛ لأني رأيته من وجه الإجارة التي لم يشترط لها غاية، فما نيل منها كان عليه الواجب فيه، ولم يبطل عناء الأجير، وكذلك المجاعلة على الشيء الذي لم يشترط كماله إلزاما، فعمل فيه العامل ما شاء ثم ترك. فإن كان لرب العمل فيما عمل منفعة ينتفع بها، وأدى حصتها من الجعالة، فلم لا يكون لمعلم الصبي لم يستكمل تعليم الختمة هكذا؟ وهو لو علم سورة واحدة لانتفع بها المتعلم، والمعلم لم يعلمه حسبة، وإني لأرى رأيي بمنصوص قول مالك. قلت: في ذلك قال مالك في الذي يعلم الصبيان إنه إذا اشترط سنة أو سنتين فذلك له لازم، وإن لم يكن شرط مسمى، فأراد أن [80-أ] يخرج أو يخرج عنه الصبي فله بقدره ما علم. وكذا روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك في سماعيهما، وفي موطأ ابن وهب. وقال ابن حبيب: سمعت مطرفا يقول: قال مالك وجميع علمائنا بالمدينة: لا بأس بأخذ الأجر على تعليم الصبيان الكتاب والقرآن، والاشتراط على ذلك سنة أو سنتين. فإذا كان ذلك، لم يكن لأب الغلام أن يخرجه حتى يستوفي الشرط، وإذا لم يكن شرط مسمى، فلا بأس أن يخرجه إذا شاء، وعليه قدر ما علمه. فهذه الروايات قد اجتمعت على أن للمعلم حصته بمقدار ما علم. وما ذكر في هذه الروايات من شرط تمام حذقة، ولا تسمية جعلها، وإنما منع أبو الصبي من إخراجه في هذه الروايات إذا كانت الإجارة فيه أجلا معلوما، بشرط سنة أو سنتين [81-أ] فإذا لم يكن شرط أجل مسمى، لم يكن لإخراج الصبي مانع. وكذلك المعلم إن أراد الترك. هذا ما في هذه الروايات عن مالك بين لا إشكال فيه. والذي قدمناه من رواية مطرف هو عند ابن حبيب، ولكنه لم يستعمله في جميع وجوه المسألة. قال: ونحن نوجب للمعلم الحذقة، ونرى أن يحكم له بها في النظر والظاهر على قدر الغلام، وقدر درايته، وقدر حفظه في حذقة الظاهر، وقدر معرفته بالهجاء والخط في حذقة النظر؛ وليس لها قدر معلوم، وليس كل الناس فيها سواء، وليس ذو الفقر من الآباء كغيره من الغني، وإنما رأينا أن يحكم بها لأنها مكارمة جرى الناس عليها فيما بينهم وبين معلمي صبيانهم بمنزلة هدية العرس. ونحن نرى أن يحكم بها على قدر الرجل، وقدر المرأة، وليس لها قدر معلوم. وكذلك الحذقة. وقد كاشفت [81-ب] عن ذلك أصبغ بن الفرج وغيره من أهل العلم والفقه، فأوضحوا لي من ذلك ما أوضحت لك، وأسقطوا ذلك عن المعلم في حذقة الظاهر، إذا لم يستظهر الغلام فيها شيئا، أو يستظهر فيها اليسير وفاته الكبير. فأما أن يخطئ في السورة الحرف والأحرف اليسيرة وهو مستمر في القراءة، إلا أنه يخطئ، ويعثر، فليلقن،