تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن الذين كفروا [البينة] إذا بلغها الصبي وفي

عم يتساءلون [النبأ] وفي

تبارك [الملك] وفي

إنا فتحنا [الفتح] و(الصافات) وفي سورة (الكهف) لاشتهار أداء الناس في ذلك؛ وجلوس المعلمين ورغبتهم في التعليم إنما هو لذلك. وإذا كانت الإجارة على تعلم القرآن جائزة، والأخذ على ذلك بالشرط إنما هو إجارة لم يصلح أن يجري إلا مجاري الإجارات [73-أ] إلا فيما اتفق على تجويزه من ترك شرط تسمية الجعل. وكذلك الجعل في ختمة القرآن على من أدى الختمة المسماة، لوجوبها عليه في عادة البلد، يكون أخف من الجعل في الختمة على من لا

68

يؤدي في الختمة المسماة شيئا. وما معنى قول سحنون: عندي أنه لا تلزم ختمة غير القرآن كله، لا نصف، ولا ثلث، ولا ربع، إلا أن يتطوعوا بذلك، إلا أنه لم يكن في عادة عامة الناس الأداء في ذلك، وإنما كان يفعله الأقل إكراما للمعلم ومسرة للصبيان، وهذا هو سبيل التكرم الذي لا يجب به حكم.

ولما كانت الختمة في تعلم القرآن كاملا إنما وجبت على من أدى منهم

69

من قبل عادة العامة، فحملت على عادتهم في ذلك على وجه الوجوب، وإن لم يشترط لها جعلا مسمى، وجب ذلك في كل ما فشا في العامة والتزمته [73-ب] حتى صار عندها في الوجوب كمن ختم جميع القرآن. وكذلك عندي قوله، إذا قيل له: فعطية العيد يقضي بها؟ قال: لا، ولا أعرف ما هي إلا أن يتطوعوا. وكذلك قول ابن حبيب: ولا يجب للمعلم الحكم بالأخطار

70

الذي يأخذونه من الصبيان في الأعياد، ذلك تطوع، من شاء منهم فعل، ومن شاء لم يفعل. وفعل ذلك حسن ممن فعله، وتكرم من آباء الصبيان لمعلميهم، ولم يزل ذلك مستحسنا فعله في أعياد المسلمين. فقول سحنون وابن حبيب عندي في هذا، إذا كان ذلك ليس في عامة الناس أداؤه، يرونه مما لا بد منه. فأما إذا فشا في عامة الناس، وصار عند العامة مما يرونه واجبا، وعلى ذلك جلس المعلمون، وإن لم يشترطوه، للعادة المنتشرة في عامة الناس في المعاوضات، واجبة،

71

كالهبة للمكافآت [74-أ] إذا نال الموهوب الهبة وأفاتها وجب عليه قيمتها، وذلك ما أفات منها، وجب عليه العوض منه. وكذلك المعلمون عندي في هذه العادات، إذا كانت مستحسنة في الخاصة، فانتشارها على ما وصفنا يوجبها.

وصواب قول ابن حبيب، ومكروه عليه أن يفعل من ذلك شيئا، في أعياد النصارى مثل النيروز والمهرجان، لا يحل لمن فعله ولا لمن يقبله من المعلمين، بل ذلك تعظيم للشرك، وإعظام لأيام أهل الكفر بالله. قال: وحدثني أسد بن موسى عن الحسن بن دينار عن الحسن البصري، أنه كان يكره أن يعطى المعلم في النيروز

72

والمهرجان.

73

وقال: كان المسلمون يعرفون حق معلميهم، إذا جاء العيدان، أو دخل رمضان، أو قدم غائب من سفره، أعطوه. قال أبو الحسن: ما انتشر في عامة الناس، ولا قصد المعلمون إلى الجلوس عليه، من هذا الذي [74-ب] سماه الحسن رحمه الله، إلا العيدين. فأما رمضان، والقدوم من السفر، فهو باق لفعل الخاصة، وعاشوراء مثل ذلك.

وكذلك المذموم أن يؤخذ في أعياد أهل الكفر، يدخل فيها أيضا الميلاد، والفصح، والانبداس عندنا، والغبطة بالأندلس، والغطاس بمصر، كل هذا من أعياد الكفرة، لا يجب أن يطلب معلم المسلمين فيه شيئا، وإن أتي إليه بشيء في ذلك لا يقبله وإن أطاعوا له به. ولا ينبغي للمسلمين أن يتطوعوا بذلك ولا يتزينوا له بشيء من الزي، ولا يتهيئوا له بشيء من التهيئة، ولا يفرح الصبيان كعمل القباب في الانبداس، والقصوفات

74

في الميلاد. كل ذلك لا يصلح من عمل المسلمين، وينهون عنه، ويأبى المعلم من قبول الإكرام منهم فيه، ليعلم جاهلهم أن هذا خطأ فينتهي، ويخجل مستخفهم له فيترك ذلك؛ والمؤمن للمؤمن كالبنيان [75-أ] يشد بعضه بعضا، كذا قال الرسول عليه السلام.

وأما قول سحنون فيمن أخرج ولده من عند المعلم، وقال له: لا يحضر ولدي عندك وقد قارب الختمة، وكانت الإجارة كل شهر. فقال: أقضي عليه بالختمة، ثم لا أبالي به أخرجه أو تركه. ومقاربة الختمة عند سحنون، إذا بلغ الثلثين أو جاوز ذلك. وقيل عنه: والثلاثة أرباع أبين. وعنده إذا لم يبلغ إلا لسورة يونس، أنه لا يقضي له بشيء. وقال ابن حبيب: وإذا لم يشترطها المعلم، ولم يشترط أبو الغلام سقوطها عنه، فأراد أن يخرجه قبل فراغه منها، كأن كانت الختمة قد تدانت بالأمر اليسير مثل السور القليلة تكون بقيت عليه، فالحذقة واجبة للمعلم كلها إذا كان الغلام يحفظ كما وصفت لك. وإن كان الذي بقي من الحذقة الشيء الذي له بال [75-ب] مثل السدس وأقل من ذلك، أخرجه إذا شاء، ولم يكن عليه من الحذقة شيء لا جميعها، ولا على حسابها. قال أبو الحسن: أما حكمها للمعلم بجميع الختمة على من قاربها، فهو يعتدل فيمن حذق، وتم حذقه في المعرفة والنفاذ، واستغنى مما عنده من الخط والهجاء والإجادة والإعراب، حتى صار لا يحتاج فيما بقي عليه إلى المعلم، فهذا إذا خرج عند مقاربة الختمة، فلم يبق من استكماله إياها ما على المعلم فيه عناء، بل تماديه مع المعلم نفع للمعلم. وأما إسقاطهما الجعل عمن لم يبلغ مقاربة الختمة، وقد حذق وفهم، ولا عنت في تعليمه، فما أعرف له وجها، ولا من أين أخذه. إنما ذكر سحنون أن المغيرة وابن دينار اجتمعا على أن الصبي إذا أخذ عند المعلم من الثلث إلى سورة البقرة، أن الختمة واجبة إذا عرف أن يقرأه كما وصفت لك، ولا يسأل [76-أ] عن غير ذلك مما لم يكن أخذه عنده؛ وقول المغيرة وابن دينار في مبتدئ انتهى إلى الثلث يحسن، من قبل أن المبتدئ لا يحقق مما علم النفاذ المرفق في مقدار بلوغ الثلث، هو يعد في تعلم الصغير البعيد من الميز، فصار من علمه الثلثين الباقيين، هو الذي لقي التعب به ولم تضع عنه عناية الأول من العناء ما يرفقه، هذا الغالب في عامة الناس. وإنما العمل في هذه الأشياء على الغالب المستفيض في وصف الناس. ولم يذكر عن المغيرة وابن دينار في الذي علمه الثلث الأول شيئا. وقد قال: تنازع المغيرة وابن دينار - وكلاهما من علماء أهل الحجاز - في الصبي يختم القرآن عند المعلم، فيقول الأب إنه لا يحفظ، فقال المغيرة: إذا كان أخذ القرآن عنده كله، وقرأه الصبي كله نظرا في المصحف، وأقام [76-ب] حروفه، وإن أخطأ منه اليسير الذي لا بد منه مثل الحروف ونحوها، فقد وجبت للمعلم الختمة؛ وهي على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وهو الذي أحفظ من قول مالك. وقال ابن دينار: قد سمعت مالكا يقول: تجب للمعلم الختمة على قدر يسر الرجل وعسره، يجتهد في ذلك ولي النظر للمسلمين. وأرى أنه إذا تنازع المعلم والأب في الصبي: أنه لا يعلم القرآن، فإذا قرأ منه نظرا من الموضع الذي لو كان أخذه عنده مفردا وجبت له الختمة قضيت له بها، ولا أبالي ألا يقرأ غير ذلك، لأنه لو لم يأخذه عنده لم يسأل هذا المعلم. قال أبو الحسن: فهذا سحنون ذكر ما تنازع فيه المغيرة وابن دينار فوصف أن المغيرة جعل للمعلم الختمة إذا لم يبق على الصبي إلا الحروف اليسيرة. ولم يصف عنه فيه إن بقيت عليه حروف كثيرة [77-أ] ما يكون الحكم فيه. ووصف ما رآه ابن دينار إذا قرأ الصبي، نظرا من الموضع الذي لو كان أخذه عنده مفردا وجبت له الختمة، قضى له بها، ولا يبالي ألا يقرأ غير ذلك، قال: لأنه لو لم يأخذه عنده لم يسأل هذا المعلم. فأين تصريح التنازع بينهما ها هنا؟ إذا كانا وصفا ما يجب به الجعل للمعلم، ولم يصفا ما يسقط به جهل المعلم، ولا وصفه واحد منهما. وقد اتفق المغيرة وابن دينار في هذا الوصف أن مالكا جعل للمعلم الختمة على قدر يسر الأب وعسره، ولم يصف عنهما سحنون أنهما قالا عن مالك فيمن علم ما دون الختمة شيئا. وإن كان قول المغيرة في الذي يبقى عليه الحروف اليسيرة يدخل فيما حفظ عن مالك فهو حسن، إنما الطلب أن يوجد لمالك إسقاط جعل المعلم فيما دون الختمة. وقال سحنون أيضا: قال [77-ب] أصحابنا جميعا، مالك والمغيرة وغيرهما: تجب للمعلم الختمة، وإن استؤجر شهرا شهرا، أو على تعليم القرآن بأجر معلوم، ولا يجب له غير ذلك. قال أبو الحسن: وليس يظهر في قولهم ولا يجب له غير ذلك، إلا أنه إنما يجب له جعله في الختمة، ليس له مع ذلك إلا ما خورج عليه في المشاهرة، إذا كان المعروف في ذلك الوقت وعليه يقعد المعلم، إلا من أكرمه في الأعياد، وما أشبه ذلك من الأرفاق، التي لا يقضي بها، إذ ليست معتادة فيعمل عليها، ومن حمل هذه الكلفة على أنهم أرادوا أنه ليس له فيما دون الختمة شيء، فما لقوله هذا بيان.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٣٧