تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

77

فهو عندي حفظ يجب للمعلم به أن يكافأ. وليس الذي يخطئ كالذي لا يخطئ في قدر ما يعطي. فانتظر كيف جعل جعل المعلم في الحذقة، إنما هو مكافأة على وجه التكارم. وكذلك قال في حذقة النظر إنما يجب للمعلم فيها أن يكارم ويكافأ، إذا كان الغلام يتهجى تهجيا حسنا، ويخط خطا جميلا، ويكتب ما يملى عليه، ويقرأ نظرا ما أمر بقراءته. فأما إذا لم يحسن الهجاء ولم يحكم الخط، ولم يقرأ شيئا نظرا [82-أ] فلا يجب للمعلم في ذلك شيء، بل يجب عليه ما وصفنا فوق هذا من التأنيب والتعنيف.

قال أبو الحسن: أما صبي هذا وصف ما تعلم، فما تعلم شيئا، وقد قدمنا أن هذا لا يجب للمعلم فيما علمه جعل، وفسرنا الواجب عليه قبل هذا عند العلماء.

وأما قول ابن حبيب: إن الحكم بها عنده بمنزلة هدية العرس، قال: ونحن نرى أن يحكم بها، فاعلم أن هدية العرس قد قيل لمالك: فهدية العرس إذا طلبتها المرأة وأبى الزوج، قال مالك: لا أرى لها فيه حقا، ثم قال: قال الله عز وجل:

وآتوا النساء صدقاتهن نحلة (النساء: 4) فليس الهدية من الصداق، ولا أرى فيه حقا، ولا أرى ما نحلها عند اختلائه يلزمه. فقيل لمالك: فإن الذي عندنا في هدية العرس، مما يعمل به جل الناس، حتى إنه ليكون في ذلك الخصومات، أفترى أن يقضي به؟ فقال: إذا كان [82-ب] قد عرف من شأنهم وهو عملهم، لم أر أن يطرح ذلك عنه، إلا أن يتقدم فيه السلطان؛ لأني أراه أمرا قد جروا عليه. قال ابن القاسم: وقد قال مالك مثل هذا: لا أرى لهم ذلك إلا أن يشترطوه، وهو أحب قوليه إلي. قال أبو الحسن: فانظر كيف وقع جواب مالك رحمه الله، أولا في هدية العرس واحتجاجه على ذلك بما في كتاب الله، فلما وصفوا له ما جرى في أكثر الناس قال: إذا كان قد عرف ذلك من شأنهم، وهو عملهم، لم أر أن يطرح ذلك عنه، إلا أن يتقدم فيه السلطان؛ لأني أراه أمرا قد جروا عليه؛ فبين مالك رحمة الله عليه أن ما اشتهر الناس وجروا عليه من ذلك، أن الزوج مأخوذ به، لأنه عليه قدم. وهكذا يجب أن يكون العمل في المعلمين، ما جرى في الناس سنة لهم جائزة، أن آباء الصبيان [83-أ] مأخوذون به لهم، إذا على ذلك جاء الآباء بأبنائهم، وعليه قعد المعلمون لصبيانهم؛ على أن هدية العرس إنما هي شيء يقدم للمرأة عند الدخول بها، لتدخل به، فالانتفاع بالمرأة مستقبل، وانتفاع الصبيان بالمعلم قد نالوه في القدر الذي علمهم إياه، فبأي وجه يطرح ذلك عن آباء الصبيان، وهم مأخوذون بجميعه، إذا استكملوا الختمة على شرطهم من ظاهر أو نظر؟ إنما استحب ابن القاسم الأخذ في هدية العرس بالأول من قول مالك، من قبل أن عقد النكاح قد وجب، واستحلال الفرج قد ثبت بالصداق المسمى، لا خيار للمرأة بعد في التمادي على ذلك. والمعلم ما لزمه ذلك، إذا لم يشترط عليه. وكذلك آباء الصبيان إذا لم يكن عليهم شرط يمنعهم من إخراج أبنائهم، لم يلزمهم التمادي، فليس لهم من ذلك مثل ما للزوج [83-ب] والزوج أيضا لو اختار الفراق قبل البناء، وجب عليه نصف الصداق، وهو ما انتفع منها بشيء، وإن كان لم يفرض لها شيئا قبل الطلاق، لم يفرض لها بالطلاق شيء، وصار أمرها إلى المتعة التي لا يحكم بها، إذ هي حق على المحسنين، وعلى المتقين، فيمن دخل بها، فلأن اسم التكارم مما لا يحكم به. فأما ما يوجب الحكم، فالتكارم فيه لمن يريد، على الواجب عليه، وإنما المتعة عوض للزوجات من أشياء منه كن يؤملنها. وأخذ المعلم إنما هو عن شيء عمله، فهو بما شبهناه من الجعالة، ومن مكافأة الهبة للثواب أشبه، وفي بابها أدخل. وقد أجروا مسائل منه على معاني البيوع.

قال سحنون: وقد سئل بعض علماء أهل الحجاز منهم ابن دينار وغيره، أن يستأجر المعلم جماعة، وأن يقرض على كل واحد ما ينوبه [84-أ] فقال: يجوز إذا تراضى بذلك الآباء؛ لأن هذا ضرورة، ولا بد للناس منه، وهو أشبه. وقال: هو بمنزلة ما لو استأجر رجل عبدين من رجلين، لكل واحد عبد، وإنما ذلك بمنزلة البيع، في كتاب ابن سحنون؛ وابن القاسم لا يجيز هذه الإجارة؛ لأنه لا يجيز ذلك في البيع، والله أعلم.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٣٩