تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسألت هل للصبيان الصغار، أو الكبار البالغين، أن يقرءوا في سورة واحدة وهم جماعة على وجه التعليم؟ فإن كنت تريد يفعلون ذلك عند المعلم، فينبغي على المعلم أن ينظر فيما هو أصلح لتعلمهم، ليأمرهم به، ويأخذ عليهم فيه؛ لأن اجتماعهم في القراءة بحضرته يخفي عنه قوي الحفظ من الضعيف. ولكن إن كان على الصبيان من ذلك خفة، فيخبرهم [69-ب] أنه سيعرض كل واحد منهم في حزبه، فيؤدبه على ما كان من تقصير، تهديدا يتهددهم، ولا يوقع الضرب لأدب، إلا عن ذنب يتبين حسب ما تقدم قبل هذا.

وأما إمساك الصبيان المصاحف، وهم على غير وضوء، فلا يفعلوا ذلك؛ وليس كالألواح. وما في نهيهم عن مس المصاحف الجامعة - وهم على غير وضوء - خلاف من مالك، ولا ممن يقول بقوله. ورأى سحنون أن على المعلم أن يأمرهم ألا يمسوا المصحف إلا وهم على وضوء، حتى يعلموه. وهو حسن صواب، كما قال سحنون؛ لأن معلمهم يعلمهم مصالح دينهم.

قد سئل مالك عن صبيان الكتاب يصلي بهم صبي لم يحتلم، قال: ما زال ذلك من شأن الصبيان وخففه. قال أبو الحسن: يريد الذين يصلون معه لم يحتلموا، ولو كان [70-أ] في صبيان الكتاب محتلم، فإن صلح للإمامة قدم، وإن لم يصلح للإمامة فلا يصلى خلف من لم يحتلم، ولا يقطع عن صبيان الكتاب عادتهم، لكي يتدرجوا على معرفة صلاة الجماعة، وليعرفوا فضلها حتى يكبروا على الرغبة فيها، والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

ذكر سؤاله عما تكون فيه الأحكام بين المعلمين والصبيان وعن أدب الرجل زوجته وولده وعبده وشكواه ولده الكبير

قال أبو الحسن: قد قدمت لك من وصف ما يطيب للمعلمين، يأخذونه من المتعلمين، ومن وصف ما ليس لهم أخذه، وما يكون نزاهة لأهل الورع منهم، ما فيه الكفاية والبيان لما سألت عنه، وفيه ما يوجب لهم في شرطهم، فإن أراد منهم أحد ترك ما دخل فيه، أو اختلفوا في [70-ب] أمر، وسعتهم الأحكام.

وسألت عن الختمة متى تجب للمعلم، وعلى أي وجه تجب له، وكيف يكون حال الصبي في حفظه، وقراءته، وإجارته، فيستوجبها المعلم؟ قال: ووجوب الختمة للمعلم فيما سألت عنه على وجهين:

أحدهما أن يستظهر القرآن حفظا من أوله إلى آخره، فهذا الذي تجب له الختمة على نظر حاكم المسلمين، المأمون على النظر في ذلك. وتكون على قدر يسر الأب وعسره؛ وقدر ما فهمه الصبي، مما علمه المعلم، مع استظهاره للقرآن؛ وليس في ذلك حد موقت، إنما هو ما يرى أنه هو الواجب في عادات الناس في مثل هذا المعلم، بمثل هذا الصبي، وفي حال أبيه. والوجه الآخر أن يكون الصبي استكمل قراءة القرآن في المصحف نظرا، لا يخفى عليه شيء من حروفه، [71-أ] مع ما فهمه الصبي مما ينضاف إلى ذلك، من ضبط الهجاء، والشكل، وحسن الخط، فيكون الاجتهاد في الواجب لمعلم هذا الصبي أيضا، على قدر عادات الناس في أحوالهم، إلا أن المستظهر للحفظ مع ما صاحبه من حسن خط، وضبط شكل، وهجاء، وإعراب قراءة، يكون في الاجتهاد أفضل جعلا ممن لم يستظهر الحفظ، إنما قوي على تلاوة القرآن نظرا؛ وما نقص تعلم كل واحد منهما عما وصفت لك، كان الاجتهاد له فيما يجب من الجعل دون من استكمل ذلك. فعلى هذين الوجهين، يحمل ما يجب للمعلم على المتعلم إذا هو استكمل ختم القرآن. وهذا إذا لم يكن شرط المعلم للختمة جعلا مسمى. فأما إن شرط ذلك كان له ما شرط إذا حذق الصبي الوجه الذي علم من ظاهر أو نظر [71-ب] فإن نقص تعلم الصبي مما علم به، نقص من الأجر المسمى بمقدار ما نقص من تعلم الصبي، حتى ينتهي من نقص التعليم إلى أقل ما ينفعه، فيكون له بمقدار المنفعة التي له فيه. وإن كان لم يشترط للختمة شيئا مسمى، حتى يكون للمعلم فيها إذا أحذقها الصبي الاجتهاد، فنقص حذق الصبي حتى ينتهي إلى ما لا يسمى تعلما، في إجادته، ومعرفته بالهجاء والشكل، والنظر في المصحف، فبأي شيء ختم هذا؟ ما لهذا ختمة: يملى على الصبي فلا يتهجى، ويرى الحروف فلا يضبطها، ولا يستمر في قراءتها. معلم هذا قد فرط فيه، إن كان يحسن التعليم، وإن كان لا يحسن التعليم، فقد غرر. ورأي العلماء أن مثل هذا المعلم يستأهل الأدب لتفريطه فيما وليه، وتهاونه بما التزمه، وأن يمنع من التعليم؛ وهو صواب، إذا كان شأنه التفريط أو الغرور بتعليمه وهو لا يحسن. ورأي [72-أ] بعضهم أن مثل هذا المعلم لا يستأهل الإلزام، بل يستأهل اللوم، والتعنيف والغلظة والتأنيب من الإمام العدل. فإن اعتذر المعلم ببله الصبي، واختبر الصبي فوجد لذلك لا يحفظ ما علم، ولا يضبط ما فهم، فلم يحصل لهذا المعلم إلا إجارة حوزه وتأديبه، لا إجارة التعليم، إذا لم يعرف آباءه بمكانه من فقد الفهم. لأنه لو عرف أباه، فرضي له بشيء لزمه، فإذا لم يعرفه فقد غره. والمغرر لا يستأهل على تغريره جعلا ولا إحسانا. وأما الصبي علم حتى تدانى من الختمة فأراد الخروج من عند المعلم إلى معلم آخر، أو إلى صنعة، أو إلى ما أحب من الانتقال، أو مات الصبي قبل استكمال الختمة، وهو لم يسم لها جعلا مسمى، فهو عندي أصل واحد، كأن الذي بقي عليه من استكمال الختمة الثلث، أو الربع، أو أقل من ذلك [72-ب] أو أقل من السدس، فإنه يكون للمعلم عندي على أبي الصبي مما يجب على مثله في جعل ختمة ابنه، بمقدار ما انتهى؛ ثلاثة أرباع ذلك، أو خمسة أسداسه، أو أكثر، أو أقل من ذلك. ولو كان إنما علمه نصف القرآن، لوجب له حساب ذلك. وكذلك يجب عندي في الوقت للمعلم ما اشتهرت عادة وجوبه له في البلد الذي يعلم فيه مثل الجعل في

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٣٦