تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

ونشأ القابسي بالقيروان، فوجد مذهب مالك هو المذهب السائد في بيئته. وأخذه عن شيوخ كلهم مالكيون. ثم رحل إلى مصر والحجاز فسمع عن المالكيين، ثم عاد فقيها محدثا مالكيا متبعا لمذهب مالك، وكتابه في التعليم الذي بين أيدينا شاهد على ذلك؛ لأنه يجري فيه على طريقة المالكية، يعتمد على الكتاب، ثم السنة، ثم عمل أهل المدينة، ثم الإجماع ثم القياس. (3) أثر المنهج السابق في التربية عند القابسي

أطلنا الكلام عن منهج أصحاب الحديث، وفصلنا القول في طريقة المالكية التي تعتمد على الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة والإجماع والقياس، لما لذلك من صلة كبيرة بالموضوع الذي نناقشه، وهو موضوع التعليم الذي عالجه القابسي.

وإذا أردنا أن نحكم على القابسي حكما صحيحا، فينبغي أن نبدأ أولا بالنظر في منهجه الذي اتبعه في بحث موضوع التعليم، وهو المنهج الذي سار عليه فعلا، وارتضاه لنفسه؛ لأن الصلة بين المنهج والموضوع صلة بالغة الأهمية في إخراج الموضوع على نحو معين. ومن المسلم به أن كل علم من العلوم لا يمتاز عن غيره باختلاف موضوع العلم فقط، بل المنهج الذي يتبع أيضا في دراسة هذا العلم.

فالمنهج السليم يؤدي إلى نتائج سليمة في الموضوع، والمنهج الخاطئ، يؤدي إلى نتائج خاطئة. ونعني بالمنهج السليم أن يكون ملائما للموضوع.

فهل كان المنهج الذي اتبعه القابسي هو المنهج السليم الذي ينبغي اتباعه في معالجة موضوع التعليم؟

نأتي أولا بشواهد من رسالة القابسي تثبت أنه اتبع منهج أصحاب الحديث، ومنهج المالكية على الخصوص، ثم تبين بعد ذلك الأثر الذي أدى إليه اتباع ذلك المنهج.

اعتمد القابسي على أدلة من الكتاب والسنة نجتزئ منها بما يأتي: (أ)

وقد بين الله سبحانه في كتابه وصف قارئ القرآن، وذلك في قوله عز وجل

إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (فاطر: 29) 19-أ.

32 (ب)

قال أبو الحسن: والماهر بالقرآن يؤمر بترتيله. قال الله عز وجل:

يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا ...

إلى قوله:

ورتل القرآن ترتيلا (المزمل: 1-4) 22-أ. (ج) «ومن حسن رعايته لهم أن يكون بينهم رفيقا، فإنه جاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فيه، فارفق به.» 54-أ. (د)

وقال في تعليم الشعر: «وقد ثبتت الرواية عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: إنما الشعر كلام، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.» 44-ب.

وقد أوضح القابسي نفسه المنهج الذي اتبعه، فأغنانا بذلك عن محاولة الكشف عما استتر في نفسه، وكيف جرى تفكيره، فقال: «فقد بينت لك ما جاء في فضل من تعلم القرآن وعلمه، كل ذلك عن كتاب الله عز وجل، وعما جاء عن النبي

صلى الله عليه وسلم

تسليما.» 19-ب.

والقابسي محدث ثقة، له كتاب «ملخص الموطأ» جمع فيه ما صح إسناده من أحاديث «الموطأ»؛ لهذا كان لا يروي إلا الأحاديث القوية، أما الأحاديث الضعيفة السند فلا يرويها. ولا يتحرج من الشك في صحة الحديث إذا ضعفه. قال: «وسألت عما ذكر من أن القرآن في صلاة خير من القرآن في غير صلاة ... فاعلم أني سمعته سماعا هكذا، ولم أقف على صحته بهذا المعنى.» 23-ب.

ومن أصوله بعد الكتاب والسنة عمل أهل المدينة. قال في أجر المعلم: «عن ابن وهب في موطئه عن الجبار بن عمر قال: كل من سألت بالمدينة لا يرى لتعليم المعلمين بالأجر بأسا.» 33-ب.

وهاك مثلا يبين اعتماده على الإجماع، قال: «وأما إمساك الصبيان المصاحف وهم على غير وضوء، فلا يفعلوا ذلك، وليس كالألواح. وما في نهيهم عن مس المصاحف الجامعة - وهم على غير وضوء - خلاف، من مالك، ولا ممن يقول بقوله.»

وكذلك لجأ القابسي إلى القياس الشرعي، ومثال ذلك الحكم على الوالد بتعليم ابنه القرآن قال: «جاء أن رسول الله مر بامرأة في محفتها فقيل لها: هذا رسول الله؛ فأخذت بعضد صبي معها وقالت: ألهذا حج؟ فقال رسول الله: نعم ولك أجر. فهل يكون لهذه المرأة أجر فيما هو لصبيها حج إلا من أجل أنها أحضرته ذلك الحج. والذي يناله الصبي من تعليمه القرآن هو علم يبقى له بحوزه، وهو أطول غناء.» 26-أ.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٣