26
وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي يفترقان أكثر من ذلك في الاعتماد على الإجماع والقياس. فأصحاب الرأي أكثر اعتمادا على القياس من أصحاب الحديث. عن الشهرستاني: «أصول الاجتهاد وأركانه أربعة تعود إلى اثنين: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.»
27
يريد الشهرستاني أن يقول إن الإجماع والقياس لا بد أن يرجعا إلى أحد الأصلين: الكتاب أو السنة.
قال القاضي عياض بعد ذكر الكتاب والسنة: «ثم إجماع المسلمين يترتب عليهما ، فلا يصح أن يؤخذ وينعقد إلا عنهما، إما من نص عرفوه ثم تركوا نقله، أو من اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من صحة الاجتهاد.»
28
وهناك بعض الفقهاء لم يجوزوا القياس، واكتفوا بالكتاب والسنة والإجماع، وهم أهل الظاهر. قال الشهرستاني: «ومن أصحاب الظاهر مثل داود الأصفهاني وغيره ممن لم يجوز القياس والاجتهاد في الأحكام، وقال: الأصول هو الكتاب والسنة والإجماع فقط، ومنع أن يكون القياس أصلا من الأصول ... وظن أن القياس أمر خارج عن مضمون الكتاب والسنة.»
أما مالك فلم يكن يلجأ إلى القياس إلا قليلا، والأغلب اعتماده على الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة والإجماع. «قيل لمالك قولك في الكتاب الأمر المجتمع عليه، والأمر عندنا وببلدنا، وأدركت أهل العلم، وسمعت بعض أهل العلم.
فقال: أما أكثر ما في الكتاب فرأي فلعمري ما هو برأيي، ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المهتدى بهم الذين أخذت عنهم. وهم الذين كانوا يتقون الله، فكثر علي، فقلت رأيي. وذلك رأيي إذ كان رأيهم رأي الصحابة الذين أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك. فهذا وراثة توارثوها قرنا عن قرن إلى زماننا. وما كان رأيا فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة. وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه.
وما قلت الأمر عندنا، فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام، وعرفه الجاهل والعالم.
وكذلك ما قلت فيه ببلدنا، وما قلت فيه بعض أهل العلم، فهو شيء استحسنته من قول العلماء.
وأما ما لم أسمع منهم، فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته، حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريبا منه، حتى لا يخرج من مذهب أهل المدينة وآرائهم.
وإن لم أسمع ذلك بعينه، فنسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع السنة، وما مضى عليه عمل أهل العلم المقتدى بهم. والأمر المعمول به عندنا من لدن رسول الله والأئمة الراشدين مع من لقيت، فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره.»
29
فهذا كلام مالك نفسه يتضح منه مذهبه.
وقد وضح ابن خلدون الفرق بين عمل أهل المدينة والإجماع فقال: «واختص مالك بزيادة مدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة؛ لأنه رأى أنهم فيما يتفقون عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم، واقتدائهم، وهكذا إلى الجيل المباشرين لفعل النبي، الآخذين ذلك عنه، وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية. وظن كثير أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره؛ لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من سواهم، بل هو شامل للأمة. واعلم أن الإجماع إنما هو الاتفاق على الأمر الديني عن اجتهاد. ومالك لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى، وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع صلوات الله عليه.»
30
وبعد أن استقرت المذاهب الفقهية، سرى كل مذهب في جهة من الجهات: «فغلب مذهب مالك على أهل الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس؛ صقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان حتى وقتنا هذا.» أي إلى زمن ابن فرحون صاحب (الديباج) في القرن الثامن.
وقال ابن خلدون: «وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس، وإن كان يوجد في غيرهم، إلا أنهم لم يقلدوا غيره.»