وهذا قياس آخر في تعليم الوالد لابنه: «إن حكم الولد في الدين حكم والده ما دام طفلا صغيرا. أفيدع ابنه الصغير لا يعلمه الدين، وتعليمه القرآن يؤكد له معرفة الدين.» 28-أ.
والأصل في هذا القياس هو الحديث الذي ذكره القابسي وشرحه: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه ... فقالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ فقالوا الله أعلم بما كانوا فاعلين.» 28-أ.
فإذا لم يجد القابسي نصا من القرآن، أو حديثا من السنة، أو إجماعا في الرأي، أو قياسا على أصل من الأصول السابقة، فإنه يحكم في المسألة بما يرى فيه فائدة المعلم والمتعلم، أو يحكم بالعرف إذا كان العرف حسنا، وإذا كان العرف سيئا لم يجزه.
وبيان المصلحة في سلوك الإنسان، يقتضي التأمل في قوانين النفس الإنسانية إذا كان السلوك فرديا، والنظر إلى القوانين الاجتماعية إذا كان سلوك الإنسان متصلا بغيره من الناس.
واتباع العرف، على الأخص إذا كان حسنا، من الأمور الاجتماعية التي لا يستطيع الباحث أن يصرف النظر عنها. لذلك اتبع المشرعون التقاليد. قال القابسي: «وكذلك المعلمون عندي في هذه العادات - إذا كانت مستحسنة في الخاصة - فانتشارها على ما وصفنا يوجبها.» 74-أ.
وهكذا نرى القابسي يتأمل النفس الإنسانية، ويفحص عن سلوك الناس في المجتمع، ويعتمد على العرف السائد، كلما أراد أن يصدر حكما جديدا لا يستند إلى أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
ومن أمثلة الحكم القائم على معرفة بالنفس ما جاء عن وجوب الرفق في معاملة الصبيان وعدم العبس. «فكونه عبوسا أبدا من الفظاظة الممقوتة، ويستأنس الصبيان بها، فيجترئون عليه. ولكنه إذا استعملها عند استئهالهم الأدب، صارت دلالة على وقوع الأدب بهم ويأنسوا إليها.» 54-أ. وذكر في مكان آخر أنه ينبغي أن يتجنب المعلم الشتم؛ لأن «الألفاظ القبيحة إنما تجري من لسان التقي إذا تمكن منه الغضب وليس هذا مكان الغضب.»
وقد يذكر حكما من غير بيان الأسباب التي تدعو إلى القول بهذه القاعدة. مثال ذلك ما جاء عن الحفظ حيث قال: «ومن الاجتهاد للصبي ألا ينقله من سورة حتى يحفظها بإعرابها وكتابتها.» 59-أ.
ومن المسائل التي تدل على بصر بالأمور الاجتماعية ما ذكره عن الجمع بين الجنسين في التعليم، وعن الاحتراس من البالغين. فقال: «ومن صلاحهم ومن حسن النظر لهم ألا يخلط بين الذكران والإناث.» وقال: «إنه لينبغي للمعلم أن يحترس بعضهم من بعض إذا كان فيهم من يخشى فساده.» 57-أ.
وقد أجاز القابسي العرف في مواضع كثيرة كما جاء عند الكلام في البطالة: «وأما تخلية الصبيان يوم الخميس من العصر فهو يجري أيضا عرف الناس.» 57-أ. «وكذلك بطالة الأعياد على العرف المشتهر المتواطأ عليه.» 61-ب.
أما إذا كان العرف غير مستحسن فإنه ينبه على وجوب الابتعاد عنه. ومثال ذلك ما ذكره عن صنيع المعلمين الذين يبعثون الصبيان في مناسبات الزواج والولادة لطلب الهدايا، إذ: «لا يحل للمعلم أن يكلف الصبيان فوق أجرته شيئا.» 62-ب.
هذه الشواهد السابقة تبين في وضوح أن المنهج الذي اتبعه القابسي هو منهج الفقهاء، وبالأخص منهج أصحاب الحديث، الذين يتلمسون الآثار، ويكرهون الابتداع. وعندنا أن اتباع هذا المنهج في بحث أمور الدنيا يؤدي إلى التقييد، ويمنع حرية الرأي، وكثيرا ما ينتهي إلى الجمود. أما التقييد فناشئ عن الوقوف عند آراء الفقهاء السابقين بحيث لا ينبغي أن يخرج الباحث عنها. ونحن لا نتجنى على الفقهاء ولا نعتسف هذا الرأي اعتسافا نسوقه بغير دليل، بل هو الواقع الذي لا سبيل إلى الشك فيه؛ لأنهم ارتضوا لأنفسهم الوقوف عند آراء صاحب المذهب، وحرموا بعده الاجتهاد. قال ابن خلدون: «ولما صار مذهب كل إمام علما مخصوصا عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس، احتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق، وتفريعها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم، وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا. هذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد، وأهل المغرب جميعا مقلدون لمالك.»