تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41

في ذلك العناء الذي عني بالملدوغ حتى شفاه الله بكتابه. وفيه قال النبي

صلى الله عليه وسلم

واضربوا لي معكم بسهم. فذهب عن هذا الكسب الذم كله، ولا إعافة فيه، ولا فيما مغناه مغنى. وفي حديث خارجة بن الصلت، عن عمه، أن أهل المعتوه أعطوه، ولم يكن شرط. فذكر عن النبي

صلى الله عليه وسلم

إباحته له، وإن كان لم يشترط. وبين في حديث النسائي أنه أبى أن يأخذ، فقالوا له: سل النبي

صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا بيان أنه رقى، ولم يكن في نفسه أخذ شيء، فلم يمنع من قبوله. وما في حديث أبي داود أنه أخذ ما أعطوه، وإذا كان لم يأخذ ما أعطي حتى سأل، فيحتمل أن قول النبي

صلى الله عليه وسلم - إن صح الحديث كل إلى آخره - معناه الإذن له - فيما يستقبل - أن يفعل ذلك، ليأخذ عليه الأجر [37-ب] ولا يتأثم منه. وما في نص حديث خارجة، ما يدل على أنه أخذ من هذا المعتوه شيئا بعد إذن النبي

صلى الله عليه وسلم

له في ذلك. وكذا يحتمل أنه ما فعل لأنه قصده في أول رقياه، إنما كان لله عز وجل احتسابا، والاحتساب لا يصلح أخذ العوض عنه. فإن قيل: فقد قال ابن وهب أخبرني عروة بن الحارث، والليث بن سعد، عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي عبد الرحمن، أنه بلغه أن رجلا من الأنصار جاء النبي

صلى الله عليه وسلم

ومعه قوس، فأبصرها النبي

صلى الله عليه وسلم

فقال: من أين لك هذه القوس؟ فقال: أعطانيها رجل ممن يستقرئني. فقال: ارددها وإلا فقوس من نار. وقال: اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تراءوا به، ولا تسمعوا به. قال أبو الحسن: هذا يوضح لك أن في الصحيح له أصل، كما بحديث خارجة بن الصلت الذي [38-أ] قدمناه. فأما قوله اقرءوا القرآن إلى آخر الحديث، فمعناه ليس من معنى الإجارة على تعليم القرآن والرقية به في شيء. إنما معنى ما صح نقله من هذا، عيب من لا يقرأ القرآن إلا ليأكل به، أي من أجل أنه يقرأ القرآن يطعم، فيقرأ هو القرآن لهذه العلة. وقارئه للرقية وللتعليم، إنما يريد به نفع المرقي والمعلم بالعوض ليس من قراءته القرآن، إنما هو من عنايته بالمرقي والمعلم. والأجر المعيب إنما يطعم لقراءته، وللإطعام قرأ، لا لينفع بقراءته أحدا. ألا ترى كيف قيل: ولا تراءوا به ولا تسمعوا به. وقصد هذين

42

الثناء عليهما بما أظهرا من ذلك، كما قصد الآخر أن يأكل به لا منفعة في ذلك لأحد. وأما قصة القوس فقد قال فيها أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن مغيرة [38-ب] بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت، قال: علمت ناسا من أهل الصفة

43

الكتاب والقرآن، فأهدى لي رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، لآتين رسول الله

صلى الله عليه وسلم

فلأسألنه. فأتيته، فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى لي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال: إن كنت تحب أن تكون طوقا من النار فاقبلها. وقال: حدثنا عمر بن عثمان، وكثير بن عبيد، قالا: حدثنا معبد، قال: حدثني بشر بن عبد الله بن بشار. قال عمرو: قال حدثني عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت بنحو هذا الخبر، والأول أتم، فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ فقال: جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها. قال أبو الحسن: هذه الأسانيد ليس بمثلها [39-أ] تضيق ما دلت الأسانيد الصحيحة على جوازه وسعته، ولو ثبت نقل حديث هذا القوس على ما ذكر، لتوجه إلى معان: منها أن هذا المعلم إنما كان يعلمه لله، لا يرجو على ذلك من المتعلم أخذ شيء من الدنيا، فيمكن أن يكون هذا المتعلم ممن لا يصلح أن يقبل منه تطوع عطائه؛ ورأى هذا المعلم أن القوس ليست مالا كما قال، وإنما هي آلة يستعان بها في الحرب. ولعل معطيها لا يصلح لشهود الحرب، فرأى المعلم أن أخذه إياها ليقاتل بها في سبيل الله يتسع له، فأخذها ليستشير فيها رسول الله

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٢٤