تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، كما نص في حديث أبي داود هذا له، فقال له: إن كنت تحب أن تطوق طوقا من النار فاقبلها. فمثل له العقوبة في أخذها بما جاء من العقوبة في أكل أموال اليتامى ظلما،

إنما يأكلون في بطونهم نارا (النساء: 10)، والقوس ليست تؤكل [39-ب] إنما توضع على العنق وبين الأكتاف، لأنها تتقلد؛ إذ رأى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أن أخذه إياها من الظلم لدافعها؛ إذ ليس ذلك واجبا عليه، إذ كان تعليمه من وجه الصدقة عليه، وهو ممن لا يصلح له أن يعطي. ويمكن أن يكون هذا كما قال ابن حبيب على أثر روايته لقصة القوس: إنما تأويل هذا النهي، ومعنى هذا الحديث، أن ذلك كان في مبتدأ الإسلام، وحين كان القرآن قليلا في صدور الرجال، غير فاش ولا مستفيض في الناس، وكان الأخذ على تعليمه يومئذ، وفي تلك الحال، إنما ثمنا للقرآن. وأما بعد أن صار فاشيا في الناس، قد أثبتوه في المصاحف، وصارت المصاحف وما فيها مباحة للجاهل والعالم، وللقارئ وغير القارئ، غير محجوبة ولا ممنوعة، ولا مطلوبة إلى قوم [40-أ] دون قوم، ولا مخصوص بها قوم دون غيرهم، فإنما الإجارة على تعليمه، إجارة البدن المشتغل بذلك، وليس ثمنا للقرآن، كما أن بيع المصاحف إنما هو بيع للرقوق والخط والصنعة، وليس بيعا لما فيها؛ لأن الذي فيها موجود غير مطلوب إلى أحد، ولا محجوب عن أحد، ولا ممنوع من أحد، ولا مخصوص به بائع المصحف دون مشتريه. وكذلك تعليم ما في المصاحف إنما هو ثمن وإجارة للمعلم في اشتغاله بمن علمه، وانفراده بمن علمه، وشغل نفسه بمن قعد لتعليمه. وقد علم الكتاب والقرآن رجال من أئمة هذا الدين، لم يروا به لأنفسهم بأسا ولم ير لهم به بأس.

قال أبو الحسن: يريد ابن حبيب بقوله: وصارت المصاحف مباحة غير محجوبة ولا ممنوعة، أي من أراد شراءها أو اكتتابها، وجد ذلك ممكنا؛ فإذا كان كذلك [40-ب] وكذلك أيضا من أراد أن يتعلم القرآن من عند المعلمين يجده كثيرا غير محجوب ولا ممنوع، إذا أعطى عليه الإجارة، كما يعطي الثمن في المصاحف ليشتري منها ما يجوز شراؤه، كذلك يؤاجر من المعلم ما يجوز إجارته من اشتغاله به، وحركاته في تعليمه. وهذا كله حسب ما قدمت لك من البيان، كله يؤكد بعضه بعضا، ويجيز إجارة المعلم على تعليم القرآن، ويجيز للمعلم أن يأخذ الأجر على ذلك، ولا يضره أخذ الأجر شيئا إذا وفى بشروط التعليم، وقد قدمت لك قول مالك عن كل من أدرك أنهم يجيزون إجارة المعلمين. وقد قال سحنون: قال ابن وهب: قال مالك: لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن، وإن اشترط شيئا كان له حلالا جائزا، ولا بأس [41-أ] بالاشتراك في ذلك، وحق الختمة له واجب، اشترطها أو لم يشترطها، وعلى ذلك أهل العلم ببلدنا.

الحارث عن ابن وهب، قال: سئل مالك عن الغلام يدفع إلى المعلم يعلمه ثلث القرآن، ويشترط ذلك عليه بشيء مسمى، فقال: لا أرى بذلك بأسا. قال أبو الحسن: ولقد مرت بي حكاية لموسى بن معاوية عن معن بن عيسى، قال: جاء رجل إلى مالك قال: علمت رجلا سورة بالأجر، قال: لا بأس به. قال أبو الحسن: وتعليم سورة على المعلم، في حفظ المتعلم لها عناء وشغل، فيمكن أخذ الأجر على ذلك. وحكاية أخرى عن علي بن أبي طالب قال: لا بأس أن يأخذ الرجل من الرجل الأجر على تعليم القرآن، ولا يجوز له إن قال له: أفتني هذا الحرف [41-ب] بجعل، أن يأخذ منه عليه جعلا لأن الحرف أمر يسير؛ أو هو مثل رجل يريد الإسلام فيقول للرجل: علمني الإسلام، فيقول له: فأعطني على تعليمي إياك جعلا، فإن هذا أيضا لا يجوز مع ما فيه من القبح. قال أبو الحسن: فهذا يبين لك أن ما لم يكن على المعلم في تعليمه من الخير مئونة كلفة وتشاغل، أن عليه أن يعلمه لمن لا يعلمه إذا كان لا بد من تعليمه في الوقت. ومثل هذا لو أن أحدا من أهل الكفر أتى لمسلم، فسأله أن يعلمه الإسلام لوجب عليه أن يعلمه ذلك، ولا يسأله عليه أجرا. وإذا علمه الإسلام فليعلمه ما يكون به مسلما: من الشهادة، وصفة الفروض، يخبره أن عليه خمس صلوات يصليهن على طهارة في كل يوم وليلة، ويوقفه على عدد ركوع كل صلاة، ويريه كيف [42-أ] الركوع، وكيف الصلاة، وإن لم يجد من يعلمه القرآن وجب على هذا الذي ابتلي به أن يعلمه أم القرآن ليصلي بها، ولا يأخذ منه على شيء من ذلك أجرا. ثم يذهب هذا الداخل في الإسلام فيتعلم ما يحتاج إليه من زيادة على ما يجب عليه في يومه، ويصير إلى حال الواجدين للتعليم بالأجرة، والذي أجاز أهل العلم أخذ الإجارة على تعليمه القرآن والكتاب، ليس بين من يجيز الإجارة على التعليم اختلاف في ذلك.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٢٥