وقد احتج كثير من علمائنا في جواز أخذ الإجارة، بشرط كانت أو بغير شرط أن الناس قد عملوا به، وأجازوه، وذكروا ذلك عن عطاء بن أبي رباح، وعن الحسن البصري، وعن غير واحد من الأئمة والصالحين، فمن زعم أنه يكره الشرط فيه، ويجيزه بغير شرط، لم فرق بينهما؟ هل هو يكرهه إذا اشترط إلا من قبل أنه أخذ عوضا عن تعليمه القرآن؟ وإنما يجب أن يعلم لله. أفليس هكذا إذا أخذه بغير شرط؟ ومن علم أنه سيعطى [35-أ] أليس هو كالشرط؟ وإذا كان مقام التعليم مقام الصدقات التي إنما يراد بها وجه الله، كيف يصلح أن يؤخذ عليها عوض؟
38
هذا ما لا ينبغي ولكن ما يؤخذ على تعليم القرآن، ليس معناه أن يؤخذ معارضة هكذا، لعلة ما فهم المعلم من القرآن، وإنما هو عوض من العناية بالتعليم، والقيام لرياضته حسب ما تقدم من أول. وما كان إنما يعمل لله، لا يجوز أن يعمل لغير ذلك من الأعواض التي تنال في الدنيا، إلا على معنى غير المعاوضة من العمل نفسه الذي لا يكون إلا لله. وذكر في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم؛ فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا إليه بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء [35-ب] الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي. ولكن والله لقد استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا؛ فصالحهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال، فانقلب يمشي وما به قلبة. فقال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقسموا. قال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فذكروا له فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما [36-أ]، وضحك النبي
صلى الله عليه وسلم .
39
قال البخاري: وقال ابن عباس، قال النبي
صلى الله عليه وسلم : أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.
40
قال، وقال الحكم: لم أسمع أحدا كره أجر المعلم. وقال الشعبي: لا يشترط المعلم إلا أن يعطى شيئا فيقبله، وأعطى الحسن عشرة دراهم. وأما النسائي فقال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السقر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه قال: أقبلنا من عند النبي
صلى الله عليه وسلم ، فأتينا على حي من العرب، فقالوا: هل عندكم دواء أو رقية، فإن عندنا معتوها في القيود. فجاءوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمع بزاقي وأتفل، فكأنما نشط من عقال. فأعطوني جعلا، فقلت: لا. فقالوا: سل النبي
صلى الله عليه وسلم . فسألته، فقال: كل، فلعمري من أكل برقية باطل ، فلقد أكلت برقية حق. وقال أبو داود السجستاني: حدثنا عبد الله بن معاذ، قال: حدثنا شعبة بإسناده عن خارجة بن الصلت عن عبد الله، أنه مر بقوم فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل، فكأنما أنشط من عقال، فأعطوه شيئا. فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم ، فذكر له. فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم : كل؛ فلعمري فلمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق. قال أبو الحسن. فهذا الحديث موافق للذي تقدم ذكره عن الصحيح يصدق بعضه بعضا، في إجازة أخذ الإجارة على كتاب الله ممن ينتفع به. وقد بين في حديث أبي سعيد الخدري، أن الراقي يشترط عليهم [37-أ] الجعل على رقيته وهو [إتفاله]