تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما سؤالك عن الماشي هل يقرأ القرآن، أو الراكب، أو الواقف، أو من في السوق، أو من في الحمام، تريد في غير الصلاة، فإن هذا للمتصرف في حاجاته في الأسواق [23-أ] وغير ذلك من أزقة الحضر، والصانع على صنعته، فلم يستحب مالك من ذلك شيئا. وإنما يخفف من ذلك ما كان من فاعله من وجه التحفيظ للمتعلمين ليقوى حفظه بدراسته. فأما ما كان على وجه التبرز،

25

قال مالك فإنما يقرأ القرآن في المساجد، وفي الصلاة، وعلى حال التفرد بقراءته؛ أو في السفر، فيقرأه ماشيا وراكبا في سفره؛ إلا أنه إن مر بسجدة تلاوة، لم يقم بها الراكب، ولكن ينزل فيسجدها إذا كان على طهارة، وفي وقت يجوز أن يسجد فيه، إلا أن يكون في سفر تقصر في مثله الصلاة، فيومئ الراكب بسجودها إيماء. وأما الحمام، فقال مالك: يقرأ الرجل القرآن إن شاء في الحمام، والحمام بيت من البيوت، وذكر عنه الإباء منه في الحمام.

وأما قولك هل على المعلم أو المتعلم إذا قرءوا سجدة أن يسجدوا [23-ب] في كل مرة أو في أول مرة، فقد خفف مالك عنهما، واستحب لهما أيضا أن يسجدا في أول مرة إذا تكررت السجدة بعينها. وأما المعلم فيكثر ذلك عليه على قدر كثرة أصحاب الأحزاب،

26

فأكثر القول التخفيف عنه من ذلك، فإن سجد في أول مرة فحسن. ولقد قال مالك: ولو كان على من تعلم إذا مر بسجدة يسجد، لسجد الرجل سجودا كثيرا، فليس التعليم كغيره. قال أبو الحسن: فافهم؛ فقد بينت لك من مسائلك التي جرت في هذا المعنى بيانا حسنا.

وسألت عما ذكر من أن القرآن في صلاة خير من القرآن في غير صلاة، والقرآن في غير صلاة خير من الذكر، والذكر خير من الصدقة، هل هذا ثابت أم لا؟ فاعلم أني قد سمعته سماعا هكذا ولم أقف على صحته بهذا النص. ولكن قول الرسول [24-أ] عليه السلام إن المصلي يناجي ربه فلينظر ما يناجيه به. فقد تبين لك أنه قد جاء في المصلي ما لم يأت في غير المصلي، وهو زيادة فضل. وأما فضل قراءة غير المصلي على سائر الذكر، فقول الله عز وجل:

الله نزل أحسن الحديث (الزمر: 23) بين أن القرآن أحسن القول، مع سائر ما جاء في القرآن من حسن الثناء على القرآن وما لقارئه فيه من اتساع الفوائد. وأما الذكر فخير من الصدقة، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة، قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور

27

بالدرجات والنعيم المقيم، قال: كيف ذاك؟ قال: صلوا كما صلينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال. قال: أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله: تسبحون في دبر كل صلاة عشرا [24-ب] وتحمدون عشرا، وتكبرون عشرا.

28

قال أبو الحسن: الإقبال على ذكر الله عز وجل يورث القلوب الإشفاق من خشية الله، ويدخلها التذكار لعظمة الله، فهي مع ذلك تستلين لربها وتتضرع. والصدقة عطاء يفعله المرء - إذا كان متطوعا - لله جل وعز، لا يكاد يحيط بصحته له علما، مع ما يدخل في ذلك من وسواس الشيطان، والله أعلم. وذكر الله حرز من الشيطان، وحسن الظن بالله أولى على كل حال، والله ولي التوفيق.

وأما سؤالك عما لمن علم القرآن لولده، فيكفيك منه قول الرسول عليه السلام: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.

29

والذي يعلم القرآن لولده داخل في ذلك الفضل. فإن قلت: إنه لا يلي تعليمه بنفسه، ولكنه يستأجر له من يعلمه، فاعلم أنه هو [25-أ] الذي يعلم ولده، إذا أنفق ماله عليه في تعليمه القرآن، فلعله أن يكون بما علمه من ذلك، من السابقين بالخيرات بإذن الله تعالى، وتكون هذه الدرجة هي نية هذا الوالد في تعليم ولده القرآن. وما زال المسلمون وهم يرغبون في تعليم أولادهم القرآن، وعلى ذلك يربونهم، وبه يبتدونهم وهم أطفال لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يعلمون إلا ما علمهم آباؤهم. فقد جاء في الصحيح، من حديث هشام، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: جمعنا المحكم في عهد رسول الله

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١١٨