تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

قال أبو الحسن: ولقد أمر من نسي شيئا من القرآن ألا يقول نسيته، كما في الصحيح من حديث سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ما لأحدهم يقول: نسيت [20-ب] آية كيت وكيت، بل هو نسي،

20

واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم.

21

قال أبو الحسن: فانظر كيف عاب عليه السلام على أحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت. وقال عليه السلام «بل هو نسي»، معناه أن الله أنساه ما نسي. فها هنا ينظر العبد فيما شغله عن القرآن حتى نسي منه ما نسي، هل له في ذلك عذر أم لا عذر له، فيحسن الإنابة إلى ربه مما لا عذر له فيه. وقد قال الله عز وجل لنبيه:

سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (الأعلى: 6-7). وقد وصى الرسول عليه [21-أ] السلام أهل القرآن بالمحافظة على استذكاره، وأخبرهم أنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم. وفي حديث أبي موسى عن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها.

22

وأما ابن عمر فذكر من حديث مالك وغيره، أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت.

23

واعلم أن صاحب الإبل المعقلة، إن تعمد إطلاقها إطلاقا يتلفها، فإنه

24

ارتكب النهي الذي جاء عن رسول الله عليه السلام، أنه نهى عن إضاعة المال؛ وإن أطلقها بعذر يجيز له إطلاقها خلص من ركوب النهب، وفقد نفعها. فمثل صاحب القرآن إن ترك [21-ب] تعاهد استذكاره بصاحب هذه الإبل. وقد قال النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال أخبرنا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: إنما مثل القرآن كمثل الإبل المعقلة، إذا عاهد صاحبها على عقلها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت، وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه. قال أبو الحسن: قد بين في هذا الحديث كيف المعاهدة التي يثبت بها حفظ القرآن ويقوى على الحفظ حتى لا يتعلثم فيه. وقد قال النسائي: أخبرنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال حدثني أبي عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام، عن عائشة، عن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: مثل الذي [22-أ] يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق فله أجران. قال أبو الحسن والماهر بالقرآن يؤمر بترتيله، قال الله عز وجل:

يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (المزمل: 1-6). قيل معنى هذا أشد وطأ، أي مواطأة للقرآن بسمعك وبصرك، أي فهمك، فالقراءة على هذه الصفة أقوم قيلا. ذكرت حفصة أم المؤمنين عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أنه كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. وقال النسائي: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي ذر عن عبد الله بن عمر، قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق [22-ب] ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها. قال أبو الحسن: إن الترتيل في القراءة يحيي الفهم للعالم، فيستعين به على التدبر الذي له أنزل القرآن قال الله عز وجل:

كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (ص: 29) وأهل حفظ القرآن أيضا، فيختلفون في القوة على دراسته. قال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائما وقاعدا، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقا. قال: أما أنا فأنام وأقوم وأحتسب نومي كما أحتسب قومتي. فأخبر كل واحد منهما عن نفسه بما يطيق.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١١٧