صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل. وفي حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أن الذي تدعونه المفصل هو المحكم.
30
وقال ابن عباس: توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، [25-ب] وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم.
31
وقد قال أبو موسى: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران؛ وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي، فله أجران؛ وأيما مملوك أدى حق مواليه، وحق ربه، فله أجران.
32
فإذا كان لمن علم وليدة فأحسن تعليمها، وصنع فيها ما قال في هذا الحديث يكون له أجران، فالذي يعلم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدبه فيحسن تأديبه، فقد عمل في ولده عملا حسنا، يرجى له من تضعيف الأجر فيه، كما قال الله جل وعز:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة (البقرة: 245). وقد جاء أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
مر بامرأة في محفتها، فقيل لها : هذا رسول [26-أ] الله، فأخذت بعضد صبي معها، وقالت: ألهذا حج؟ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
نعم ولك أجر.
33
فهل يكون لهذه المرأة أجر فيما هو لصبيها حج، إلا من أجل أنها أحضرته ذلك الحج، ووليت القيام به فيه. وإنما له من ذلك الحج بركة شهوده الخير، ودعوة المسلمين. والذي يناله الصبي من تعليمه القرآن هو علم يبقى له بحوزه؛ وهو أطول غناء، وأكثر نفقة. وهذا أبين من أن يطال فيه بأكثر من هذا. وقد قال رجل لابن سحنون رحمة الله عليه، ممن يطلب ابنه العلم عنده: إني أتولى العمل بنفسي، ولا أشغله عما هو فيه، فقال له: أعلمت أن أجرك في ذلك أعظم من الحج والرباط والجهاد.
وأما سؤالك عن رجل امتنع أن يجعل ولده في الكتاب هل للإمام أن يجبره؟ وهل الذكر والأنثى في ذلك [26-ب] سواء؟ فإن قلت لا يجبره فقل يوعظ ويؤثم. وكيف إن لم يكن له والد وله وصي، فهل يلزم ذلك بالجبر؟ فإن لم يكن وصي فهل ذلك للولي أو للإمام؟ فإن كان لا أحد لهذا الولد فهل للمسلمين أن يفعلوا ذلك من ماله؟ فإن لم يكن له مال فهل على المسلمين أن يؤدوا عنه، أو يكون في الكتاب ولا يكلفه المعلم إجارة؟ وكيف إن كان له أب وله مال ولا يبالي ذلك، فهل للإمام أن يسجنه، أو يضربه على ذلك أم ليس ذلك عليه؟ وكيف إن كان هذا في بلد لا سلطان يكرههم على الواجبات، وينهاهم عن المنكرات، فهل
34
نبيح لجماعة من المسلمين المرضين دينهم، أن يقوموا مقام السلطان، أم ليس يجوز ذلك؟
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد
قال أبو الحسن: إن الذي قدمت لك مما يرجى للوالد في تعليم ولده القرآن، إنما هو على وجه الترغيب للوالد في تعليم ولده الطفل، الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يميز لنفسه ما يأخذ لها، وما يدفعه عنها، وليس له ملجأ إلا لوالده، الذي تجب عليه نفقته لمعيشته. فما زاده بعد ذلك الواجب، فهو إحسان من الوالد للولد، كما لو أحسن للأجنبيين، أو لمن لا يلزمه نفقته ولكن يرجى له فيما أحسن به إلى ولده المحتاج إليه ما هو أفضل، إذ ليس يشركه فيه غيره، ولا حيلة للطفل يستعين بها فيستغني بنفسه فيها عن نظر والده له فيها. وقد أمر المسلمون أن يعلموا أولادهم الصلاة، والوضوء لها، ويدربوهم عليها، ويؤدبوهم بها ليسكنوا إليها ويألفوها، فتخف [27-ب] عليهم إذا انتهوا إلى وجوبها عليهم. وهم لا بد لهم إذا علموهم الصلاة، أن يعلموهم من القرآن ما يقرءونه فيها. وقد مضى أمر المسلمين أنهم يعلمون أولادهم القرآن، ويأتونهم بالمعلمين، ويجتهدون في ذلك، وهذا مما لا يمتنع منه الوالد لولده وهو يجد إليه سبيلا، إلا مداركة شح نفسه، فذلك لا حجة له. قال الله سبحانه:
وأحضرت الأنفس الشح (النساء: 128)، وقال تعالى: