وأما ما لمن تعلمه أو علمه من الفضل، ففيه حديث مشهور ومنشور، وهو حديث سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه.»
14
قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمارة عثمان حتى كان الحجاج. قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا.
15
قال أبو الحسن، قال: فأبو عبد الرحمن هو القائل: «وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا.» يريد أن حديث عثمان رضي الله عنه، عن النبي
صلى الله عليه وسلم
في فضل من تعلم القرآن أو علمه، هو الذي أقعده لتعليم الناس القرآن يقرئهم [18-أ] إياه. وقد قال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان، قال: حدثنا علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، قال شعبة: خيركم من تعلم القرآن أو علمه. وقال سفيان: أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه. وقال النسائي أيضا: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن، قال حدثني عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إن لله أهلين من خلقه، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. وقد بين الله سبحانه مراتب أهل القرآن، وذلك قوله عز وجل:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم [18-ب] لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها ... إلى قوله:
لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (فاطر: 32-35). وفي الصحيح من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، قال: المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به، كالأترجة طعمها وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن، كالريحانة ريحها طيب، وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، كالحنظلة طعمها مر أو خبيث، وريحها مر.
16
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه [19-أ] جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل؛ ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فعملت مثل ما يعمل.
17
وقد بين الله سبحانه في كتابه وصف قارئ القرآن، وذلك قوله عز وجل:
إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور * والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (فاطر: 29-31).
قال أبو الحسن: فقد بينت لك ما جاء في فضل من تعلم القرآن وعلمه، وبينت لك من وصف حامل القرآن ما يكفيك عن سؤالك عما يصحب به القرآن وعن آداب حامله، كل ذلك من كتاب الله عز وجل، [19-ب] ومما جاء عن النبي
صلى الله عليه وسلم
تسليما.
وأما سؤالك عمن تعلم القرآن ثم ضيعه حتى نسيه، فإن كان تضييعه إياه، زهادة فيه - ليس بغالب عليه عمل
18
يقوم له به عذر - فهو الذي أخشى عليه من شيء قد جاء فيمن تعلم القرآن ثم نسيه؛ فهي نعمة كفرها. وإنما يكون ذلك فيمن تعمد التشاغل به عنه. فإن كان تشاغله عنه بعمل من أعمال السفهاء، كان أشد. وما يدريك أن ذلك النسيان إنما أصابه عقوبة لاشتغاله عنه بسوء الاكتساب، فكان اكتسابه السوء ذنبا منه عجلت له عقوبته بأن نسي القرآن بعدما حفظه. إن في الصحيح من حديث سمرة بن جندب عن النبي
صلى الله عليه وسلم
أنه قال لهم ذات غداة: أتاني الليلة اثنان، وإنما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت [20-أ] معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده هذا الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت لهما سبحان الله ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، وذكر الحديث إلى قوله، فقلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا! فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.