تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أصبحت العلوم الطبيعية والاجتماعية تعتمد في البحث على المشاهدة والتجربة، وابتعدت عن ميدان الاعتقادات الموروثة. ثم وضع العلماء طرق التجريب الواجب اتباعها كما بسطها جون ستيوارت مل.

وبدأ علماء النفس والتربية والاجتماع يطبقون هذه المناهج التجريبية - التي ثبت أنها الطرق الوحيدة الموصلة إلى العلوم الطبيعية - على الأبحاث النفسية والاجتماعية والتعليمية. ولم يتم إخضاع هذه العلوم للتجارب إلا حديثا جدا، ولا يزال العلماء في أول مراحل هذه التجارب.

وفي ذلك يقول جول بايوه في كتابه «سقوط التعليم» الذي تعرض فيه للأسباب التي تعمل على فشل التعليم في فرنسا: إن أول هذه الأسباب هو عدم اتباع التجارب؛ وقد عقد في ذلك الفصل الأول من الكتاب، جاء فيه أن القرون الوسطى حاربت التجارب، وأن «روجر بيكون» الذي سار في طريق التجريب واستحدث اكتشافات كيميائية اتهم بالسحر ، ثم عذب وقبض عليه مرتين، مما دعا إلى عدم التشجيع في ميدان التجارب.

وتبع ذلك في فجر النهضة حتى القرن التاسع عشر روح تجريب قوي، أدى إلى انتصار العلوم التجريبية، واستقرار العلوم الطبيعية على أساس صحيح.

إلى أن قال: «ولكن في غمار هذه الحركة العظيمة الباهرة، لم تتأثر مناهج التعليم. ولا تزال التربية في الوقت الحاضر في مثل هذه الحالة التي كان الطب عليها قبل تقدمه.»

5

فإذا كان هذا المؤلف ينتقد نظم التعليم في فرنسا في الوقت الحاضر؛ لأنها لا تستند إلى التجارب العلمية، فالقابسي معذور إذا لم يتبع هذه التجارب منذ ألف عام، وهو الذي عاش في صميم القرون الوسطى التي حقرت التجريب كل الاحتقار.

وقد سجلت النهضة الحديثة في التعليم ظهور مدارس جديدة، أساسها الاعتماد على نفسية الطفل ونموه ومراعاة ميوله وغرائزه واستعداده؛ فمدارس «منتسوري» تعطي الطفل الحرية في التنقل لأن السكون مضر بهم، كما تعمل على تدريب حواسهم، وتربي الطفل عن طريق اللعب. وطريقة «دالتون» تلقي جانبا كبيرا من المسئولية على التلميذ، فهو الذي يحصل ويدرس، ووظيفة المدرس الإرشاد والتوجيه فقط، حيث يقوم بتفسير ما يشكل على التلاميذ، ويكسب المدرسة جو دراسة. وطريقة المشروع، والتعليم عن طريق النشاط، وهذه الألوان الجديدة من المدارس، الغرض منها إعداد الفرد للكفاح في المجتمع، بتكوين شخصيته تكوينا يجعله يعتمد على نفسه في تحصيل المعاش، وذلك بما يتفق مع صبغة المجتمعات الحديثة التي طغت عليها موجة المادية، وأصبح الناس يتهالكون على تحسين معيشتهم المادية.

ومراعاة ميول الطفل من الاتجاهات الحديثة في التربية، خصوصا بعد أن نادى روسو في كتاب «إميل» بالنظر إلى حياة الطفل نظرا يختلف عن النظر إلى حياة الرجل.

أما الاتجاه الآخر الحديث، فهو إعداد الطفل ليعيش في المجتمع عيشة تلائم مطالب المجتمع. لهذا السبب تختلف الدول في طرق تعليمها تبعا لاختلاف غاياتها في الحياة. وكثيرا ما يضحي المربون بالميول النفسية في سبيل تحقيق أغراض الدولة ومطالب المجتمع. فالدولة التي ترغب في الحرب تعد الطفل من صغره، لحياة النظام والطاعة والخضوع، والخشونة والشدة والصبر والجهاد.

فإذا رجعنا إلى القابسي ونظرنا إلى آرائه التعليمية، فإننا نجد أنه يراعي المجتمع، ويعد الصبيان إلى حياة تلائم البيئة التي عاش فيها، ولكنه لا يراعي ميول الصبيان النفسية.

فإذا كان القابسي قد أهمل النظر إلى الحياة النفسية للطفل، فالعيب يقع على العصر بأسره، لا على القابسي وحده.

ومن هذه العيوب منع الصبيان من اللعب، مع أن اللعب ضروري لنموهم

ومن هذه العيوب إهمال التربية الجسمية إهمالا تاما، وهي ناحية لم يرجع لها المربون إلا في العصور الحديثة، حيث وجهوا الاهتمام إلى تربية الجسم بالألعاب الرياضية المختلفة المناسبة لكل مرحلة من مراحل نمو الطفل.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٠٨