تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد لحق تعليم الصبيان في الكتاتيب بعد القرن الرابع كثير من التغيير، لم يكن في سبيل التقدم، بل في سبيل الجمود.

وأهم المظاهر التي استحدثت على الكتاتيب هي اعتماد أكثرها على أوقاف الموسرين. وفيما عدا ذلك بقي المنهج ثابتا وهو تعليم القرآن والكتابة. وبقيت الألواح في أيدي الصبيان للكتابة فيها، وبقيت العصا أداة التأديب في يد المعلم.

والخلاصة أن تفسير حالة التعليم في عصر من العصور يقتضي النظر إلى آراء المربين، وصلة آرائهم بالمذاهب العقلية التي يعتنقونها، ويقتضي النظر إلى حالة المجتمع الذي تفرع عنه التعليم كمظهر من الحياة العقلية.

فإذا طبقنا هذين المبدأين على الغرض التعليمي كما جاء عند القابسي، باعتبار أن الغرض من التعليم هو النقطة التي تلتقي عندها جميع شئون التربية، ومنها تتفرع أحواله المختلفة، فإننا نجد أن القابسي كان يقصد إلى غرض ديني، وكذلك كان المجتمع يريد. لهذا اقتصر التعليم في الكتاب على القرآن والكتابة في الغالب.

وقد يتبع هذا الغرض الديني غرض آخر، أو أغراض أخرى، ولكنها تابعة بالضرورة لهذا الغرض الديني.

فإذا قلنا إن القابسي يطلب تهذيب الأخلاق، فتعليم الدين يحمل في طياته التهذيب الخلقي، وإذا قلنا إنه يطلب نشر العلم، فالديانة الإسلامية تتوجه إلى الجميع؛ وفي سبيل تعليم الدين وخصوصا الصلاة وهي عماد الدين، وجب التعليم وحفظ القرآن.

ولم يكن المجتمع يطلب من الغايات إلا الغاية الدينية، ولهذا السبب اهتم الآباء اهتماما شديدا أن يختم أبناؤهم القرآن، وكان أغلب الصبيان ينصرفون، بعد حياة الكتاب، إلى تعلم حرفة أو صناعة لكسب المعاش.

هذا هو الغرض الذي نتلمسه من رسالة القابسي التي تصف حالة التعليم في الكتاتيب في القرن الرابع.

وقد لخص خليل طوطح أغراض التربية في أربعة: الأول ديني؛ والثاني اجتماعي، لأن العلم: يرفع صاحبه كما قال صاحب «جامع بيان العلم»: اطلبوا العلم فإن كنتم ملوكا برزتم، وإن كنتم سوقة عشتم؛ والثالث التلذذ العقلي، كما قال صاحب «كشف الظنون»: من تعلم علما للاحتراف، لم يأت عالما، إنما جاء شبيها بالعلماء. والعلوم ليس الغرض منها الاكتساب بل الاطلاع على الحقائق وتهذيب الأخلاق؛ والرابع غرض مادي.

3

واعتمدت السيدة أسماء فهمي على ما جاء في كتب الزرنوجي وابن عبد البر والغزالي وطاش كبري زاده وخلافهم، وقسمت أغراض التربية عند المسلمين إلى ثلاثة أقسام: الأول ديني، والثاني ثقافي، والثالث نفسي.

4

ولو اتبع هذان المؤلفان الطريقة التي آثرنا اتباعها في تفسير التربية وهي نسبة الآراء إلى أصحابها، ثم النظر إلى صلتها بالمذهب العقلي، وعلاقة الآراء بالمجتمع الواقعي لغيرا من تفسيراتهما.

ولم تكن الأغراض من التعليم واحدة في جميع العصور الإسلامية، فغاية التعليم في القرن الأول تختلف عنها في القرن الرابع، عنها بعد ذلك.

ولم يكن المسلمون يقصدون إلى غرض نفسي أو مادي أو عقلي في صدر الإسلام، بل كان كل همهم خدمة الدين والعمل على إذاعته وتثبيته في القلوب.

والقابسي في القرن الرابع يريد أن يكون وفيا للسلف الصالح، متبعا لآثارهم، مقتفيا خطواتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فهو يريد أن يعلم أبناء المسلمين القرآن والكتابة لمعرفة الدين، وإذا كان قد اضطر إلى التعديل من طريقة السلف، فهو تعديل يتلاءم مع أحوال المجتمع المتغيرة؛ ولهذا أوصى بأجر المعلم، بتعليم النحو والعربية والشعر.

ولا شك أن آراء القابسي كانت مناسبة للعصر الذي عاش فيه، وقد تكون متقدمة على عصر أيضا.

ولهذا السبب لا نستطيع أن نحكم على رسالة القابسي في ضوء علم التربية الحديث؛ لأن العلوم الحديثة كلها لم تبعث إلا بعد عصر النهضة، بعد أن اتخذ العقل منهجا جديدا في التفكير. هذه المناهج الجديدة هي التي شق طريقها «بيكون» و«ديكارت» في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين؛ و«بيكون» صاحب المنهج التجريبي، و«ديكارت» رسول المنهج العقلي الرياضي، الذي يبني الحقائق بعد الشك في القديم، فلا يقيم إلا ما كان واضحا جليا لا سبيل إلى الشك فيه.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٠٧