تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن الحال كذلك في الآراء التي بسطها كثير من المفكرين في الإسلام، ونضرب في هذا الصدد المثل بما ذكره الغزالي عند الكلام على الأجرة فقد نصح بالتعفف عن تناول الأجر تشبها بالرسول، وبما ينبغي أن يكون، ولم يكن هذا هو الواقع، حيث كان المعلمون يأخذون الأجور على التعليم، ولم يتحقق رأي الغزالي لمخالفته طبائع الأشياء، وإغراقه في التطلع إلى الغايات الروحية.

لهذا كان من الخطأ أن يذكر الباحث الرأي التعليمي على أنه يمثل التربية عند العرب، دون أن يحدد هل أخذ الناس بهذا الرأي واتبعوه، أو بقي مسطورا في بطون الكتب.

ولما كان القابسي واقعيا، فإننا نستطيع اتخاذ رسالته في التعليم مرآة صادقة، تصور ناحية مهمة من النواحي الاجتماعية للمسلمين في القرن الرابع، وهي تعليم الصبيان، وحياة المعلم في الكتاب، ومناهج التعليم والطرق التي كان يتبعها.

والنظر إلى المجتمع يفسر لنا كثيرا من الاتجاهات في التربية، ويفسر لنا التطور الذي حدث في التعليم منذ صدر الإسلام حتى الآن.

كان التعليم في فجر الإسلام تطوعا لقوة الروح الديني، وتغلبه على النزعات المادية، فلما فترت هذه الروح أخذ المعلمون الأجور، ولما فسد المجتمع تطلع المعلم إلى ما هو أكثر من الأجر، وقد رأينا كيف أجاز القابسي أن يتناول المعلم الهدايا في المواسم والأعياد كما جرت به العادة. فالقابسي يخضع لروح المجتمع، وينزل على أحكامه.

كذلك كانت بطالة الصبيان تجري على عادة الناس.

فالتفسير الصحيح لشئون التربية والتعليم يقتضي الرجوع إلى المجتمع الذي يشكل حالة التعليم، تبعا للتيارات التي تسوده وتوجهه.

فإذا كان المعلم في الكتاب ينصرف إلى حفظ القرآن حتى يبلغ بالصبي الختمة، فلم يكن هذا العمل من إيحاء قادة الفكر، أو من رغبة المعلم نفسه، بل هو اتجاه الجمهور وتيار المجتمع. وقد بلغ من فرح الآباء بحفظ أبنائهم القرآن، أنهم كانوا يدفعون فوق أجر المعلم أجرا آخر للختمة احتفالا بهذه المناسبة السعيدة.

ولم يمتنع المسلمون عن تعليم الحساب، وأجاز القابسي تعليم الحساب، ولكن أولياء الصبيان لم يطالبوا بتعليم أبنائهم الحساب، بل وضعوا نصب أعينهم شيئا واحدا هو أن يحفظ أبناؤهم القرآن.

ولا شك أن تقدم المجتمع وتطوره يرجع إلى حد كبير إلى الآراء الجديدة التي يطلع بها المفكرون على الناس. فإذا أثرت هذه الآراء أثرها خرج المجتمع على التقاليد الموروثة، وخلعها عنه، وسار في الطريق الجديد. فالجمود هو المحافظة على التقاليد، والتجديد هو التحول إلى شيء جديد.

فإذا اتخذنا عصر القابسي وآراءه في التعليم أساسا لما كان يجري في القرن الرابع الهجري، فإننا نستطيع أن نشرف على القرون التي سبقته، وعلى القرون التي جاءت بعده، فنرى كيف تقدم التعليم إلى ذلك العهد، وكيف سار بعد ذلك.

ولا شك أن التعليم سجل منذ القرن الأول في الإسلام حتى القرن الرابع تقدما كبيرا.

ففي حياة النبي كان التعليم نادرا في الجزيرة العربية، وفي الفرس والشام ومصر نفسها. وكان عدد الذين يعرفون الكتابة والقراءة قليلا جدا، ثم بدأت الكتابة تنتشر بإيحاء النبي وتشجيعه. ثم ظهرت الكتاتيب فكانت مظهرا للحياة الاجتماعية عند المسلمين، ثم احتاج الناس إلى تنظيم العلاقة بين المعلم والصبي، بما يتفق مع الشريعة الإسلامية المطبقة في العالم الإسلامي؛ فأدلى الفقهاء بالأحكام الشرعية التي تفصل فيما قد ينشأ من نزاع بين المعلم وآباء الصبيان على الأجر، وما قد يصيب الصبي من أشرار إذا وقع المعلم العقاب عليه، والفقهاء هم المختصون بالتشريع في المسائل الجزئية التي لم يرد فيها نص في القرآن. واجتمع كثير من هذه الأحكام على مر الأيام؛ جمعها ولخصها وضمها في كتاب واحد أبو الحسن القابسي، الذي ألف رسالته في نهاية القرن الرابع. وبذلك تمثل هذه الرسالة أحوال التعليم في ذلك القرن، وتمثل التطور الذي حدث في هذا الفن منذ صدر الإسلام حتى ذلك الوقت؛ لأن القابسي نفسه تتبع ذلك التطور في أبحاثه، كما يتضح لنا من النظر في رسالته.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٠٦